القائمة الرئيسية

الصفحات

دور المشاريع التجارية الصغيرة في النمو الاقتصادي والتنمية المستقلة

 

دور المشاريع التجارية الصغيرة
في النمو الاقتصادي والتنمية المستقلة


تمهيد:


تزداد أهمية المشاريع الصغيرة في اقتصاديات الدول المتقدمة، والآخذة في النمو على حد سواء. تقوم المشاريع الصغيرة في عدة قطاعات بدور مهم في زيادة النمو الاقتصادي والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتسعى حكومات الدول إلى دعم هذه المشاريع؛ لتحقيق الرؤى الوطنية في التنمية الشاملة والمتوازنة.  وتعتبر هذه المشاريع من ركائز الاقتصادات المعاصرة؛ حيث تسهم في تحقيق عدة مزايا؛ مثل تخفيف حدة البطالة، وتحسين القدرة التنافسية، ومساندة المشاريع الكبرى، وتطوير الصادرات.


إن التنمية المستدامة وهي أحد أهم الأهداف الرئيسة لاقتصاديات الدول العربية؛ فإن دعم المشاريع الصغيرة في تحولها المستدام يساعد الدول العربية على تطوير اقتصاداتها، بحيث يكون أكثر شمولًا وتوازنًا. وتقدم هذه الدول عدد من البرامج لضمان تطوير أليات وضمانات القروض لهذه المشاريع.  وتوجد محاولات لتعزيز فرص المشاريع الصغيرة المتوافقة مع المعايير البيئية والمجتمعية، ولكن توجد حاجة للمزيد من هذه الجهود. وقد أشار مدير عام صندوق النقد العربي إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تساهم بنسبة 45% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية. (عربي، 2023)


إن أي مشروع في مجال الأعمال يؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي، والمساهمة في تحقيق عدالة توزيع الدخل المحلي يساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأن هذين العنصرين هما هدفي أي نشاط اقتصادي.


وتعمل المشاريع الصغيرة على الاسهام في تحقيق أهداف الرؤية الوطنية لأي دولة؛ لأن أهمية أي مشروع صغير تأتي بسبب أنه يعمل على زيادة التشغيل، ومحاربة الفقر، وتحقيق النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. (اليـزيدي، 2024)


تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على المدى الذي تقوم به المشاريع الصغيرة في تحقيق التنمية المستقلة؛ حيث تسعى إلى توضيح دور هذه المشاريع في زيادة النمو الاقتصادي، وتحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة في إطار الرؤية الوطنية في المملكة العربية السعودية.


كما توجد أهمية لإدارة المشاريع الصغيرة بفعالية لتحقيق أهدافها، كما يمثل نمط القيادة المناسب لهذه المشاريع أهمية في سبيل إنجاح هذه المشاريع (البيحاني، وبالخير، 2025).

لذلك سوف تركز الدراسة على أهمية إدارة هذه المشاريع لمواجهة

 التحديات التي تواجهها، وسوف يتم عرض بعض التجارب الناجحة عالميًا في إعطاء أهمية للمشاريع الصغيرة، وكيف يمكن دعمها، وإعطائها أهمية في إطار الرؤية الوطنية للدول.


تتمثل العناصر الرئيسية للموضع في الآتي:

1-    المقصود بالمشاريع الصغيرة؛ من حيث الحجم، والخصائص، والفروق بين التعريفات.

2-    دور المشاريع الصغيرة في زيادة النمو وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ عن طريق زيادة التشغيل، ومحاربة الفقر.

3-    التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة، ودور الحكومات في دعم وتمويل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر.

4-    أثر الإدارة الفعالة في مواجهة التحديات، وزيادة المبيعات، وتحسين الأداء، وتحقيق أرباح كأهداف للمشروع الصغير؛ عن طريق تعزيز دور العاملين، وإشراكهم في القرارات، وتحسين أداء المشروع الصغير.

 

تتمثل أهمية الدراسة في إلقاء الضوء على أهمية المشاريع الصغيرة. وكذلك التركيز على أهمية إدارة المشاريع الصغيرة، والتخطيط الجيد لها، والاستفادة من تحليل البيئة، ومدى الاستفادة من الدعم الحكومي المقدم. وكيفية الاستفادة من تجارب بعض الدول في دور المشاريع الصغيرة في تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة، ثم بيان أهم التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة، وكيفية التغلب عليها.

 

تقسيمات البحث:

وسوف يتم تقسيم البحث إلى المباحث التالية:

     -  المبحث الأول: المقصود بالمشاريع الصغيرة.

     -   المبحث الثاني: التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة.

      -   المبحث الثالث: دراسات سابقة تناولت الموضوع، وبعض التجارب الدولية.

      -    المبحث الرابع: النتائج والتوصيات.


المبحث الأول: المقصود بالمشاريع الصغيرة

يتناول هذا المبحث مفاهيم المشاريع الصغيرة، وأهم أسباب إنشائها، وأهميتها، وأهم التحديات التي تواجهها.

مفهوم المشاريع الصغيرة:

تختلف تعريف المشروعات الصغيرة من دولة إلى دولة، كما عرفته المنظمات الدولية ذات الصلة تعريفات متباينة حسب معايير معينة يتم التركيز عليها. وتشير دراسة قامت بها منظمة العمل الدولية بوجود أكثر من 25 تعريفًا مختلفًا من 25 دولة أجريت عليها الدراسة، بالإضافة إلى تباين تعريفات المنظمات الدولية والإقليمية (الأسرج، 2013). وترتكز التعريفات المختلفة للمشاريع الصغيرة على ركيزتين أساسيتين؛ هما: عدد العاملين في المشروع، ورأسمال المشروع. وتتغير تعريفات المشاريع الصغيرة حسب تطور الاقتصادات وتوسعها.

وقد تم تعريف المشروع الصغير من قبل البنك الدولي بأنه المشروع الذي يعمل به (من 1 – 50) عامل، ولا تتجاوز أصوله الثابتة 3 مليون دولار، ولا يتجاوز حجم مبيعاته السنوي مليون دولار.

أما منظمة العمل الدولية فقد عرفت المشروع الصغير بأنه المشروع الذي يوظف أقل من 50 عامل في الدول النامية، أو أقل من 200 عامل في الدول المتقدمة.

وطبقًا لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي فإن عدد العاملين في المشروع الصغير (من 1 – 29) عامل (رشوان، وآخرين، 2022، ص 131 – 133)

ومن خلال تعريفات المشاريع الصغيرة المختلفة؛ فإن معايير التعريف تعتمد أيضًا بجانب عدد العاملين في كل مشروع؛ على قيمة الأصول الثابتة في المشروع، وعلى درجة التقدم الاقتصادي للدولة، بالإضافة إلى بُعد المستوى التكنولوجي الموظف في المشروع وعلاقته بعدد العاملين في المشروع؛ حيث تلعب التكنولوجيا الحديثة دورًا محوريًا في تشكيل السلوك التنظيمي داخل المؤسسات الحديثة، حيث تساهم في تعزيز الكفاءة والتواصل، ولكنها في الوقت ذاته فرضت تحديات جديدة تتطلب من إدارة المشروعات التكيف مع هذا الواقع الجديد. وبالتالي فإن فهم هذه التأثيرات والقدرة على الاستفادة المثلى من التكنولوجيا بات أمرًا ضروريًا لضمان استمرار النجاح التنظيمي في المستقبل. (زينب فرج الله، 2021)

ومن التعريفات السابقة يمكن التأكيد على الآتي فيما يخص تعريف المشاريع الصغيرة:

أ‌-       إن تعريف المشروع يرتكز على ركيزتين رئيسيين هما: الركيزة الأولى هي رأس المال أو حجم الأعمال أو الأصول الثابتة، والركيزة الثانية عدد الموظفين في المشروع.

ب‌-  يختلف التعريف من دولة إلى دولة ومن منظمة إلى منظمة.

ت‌-  يتطور تعريف المشروع الصغير حسب التطور الاقتصادي، وحسب ظروف كل دولة؛ من حيث درجة التقدم، والتنمية.

ث‌-  توجد تعريفات تأخذ بعدًا واحد وهو رأس المال أو حجم الأعمال، ولا تعطي لعدد العاملين أي دور في تعريف المشروع. وتوجد تعريفات على العكس تركز على بعد رأس المال أو حجم الأعمال، ولا تركز على عدد العاملين.

وبناء على ذلك فإن كل دولة لها تصورها الخاص بها لتعريف المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والفروق فيما بينها، والمهم أنه يجب أخذ بعدي رأس المال، وعدد العاملين؛ لأن التعريف الذي يقوم عليهما يتناسب مع دور المشاريع الصغيرة في محاربة البطالة، وزيادة النمو، والمساهمة بشكل فعال في عدالة توزيع الدخل، ومكافحة الفقر، وكذلك في تحقيق الرؤية الوطنية.

 

المبحث الثاني: التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة

يتناول هذا المبحث أهم التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة، وتكمن أهمية هذا المبحث في أنه في ظل التطورات والمتغيرات العالمية والمحلية التي تؤثر على اقتصاديات الدول، تنشأ معوقات أو صعوبات أمام تأسيس المشاريع الصغيرة، أو في سبيل نموها وتطورها؛ وهي تحديات لها عدة أبعاد. وسوف يتم التعرض لدور الإدارة في تحسين أدائها، وزيادة المبيعات.

التحديات التي تواجه المشاريع الصغيرة:

في ظل المتغيرات العالمية والمحلية يواجه أصحاب الأعمال تحديات. وكذلك توجد فرص يمكن اغتنامها.

بالنسبة للتحديات تواجه المشاريع الصغيرة والمتوسطة تحديات مالية وغير مالية؛ ويتضح ذلك فيما يلي:

أ- أهم التحديات هي التحديات المالية؛ نتيجة نقص التمويل. وأهم عقبة في التمويل هو التمويل منخفض التكلفة والمخاطر. ويؤدي ذلك إلى تعطيل الدور التنموي الهام لتلك المشروعات. وقد تناولت دراسات أكاديمية عديدة السلوك التمويلي للمشروعات، مع تحديد أنسبها للمشروعات الصغيرة. وقد أكدت على أن تلك المشروعات تعتمد أكثر على التمويل الذاتي، ويقل اعتمادها على التمويل الخارجي. وبالنسبة للتمويل الخارجي؛ فإن الاقتراض يكون إما من القطاع المصرفي، أو من الأسواق المالية بإصدار أسهم. ولا شك أن المصارف الإسلامية تلعب دوراً هاماً في تمويل تلك المشروعات؛ نظراً لكفاءة العقود الائتمانية الإسلامية في توفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة (محمد، 2018). ومن صعوبات التمويل المصرفي عدم وجود ضمانات كافية لدى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما أن البنوك تفضل تمويل المشروعات الكبيرة.

ب- ارتفاع تكاليف إنشاء المشروعات في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وتكاليف التأسيس، مع ارتفاع رسوم العديد من الخدمات الحكومية.

ت- من التحديات غير المالية نقص الخبرات لأصحاب المشروعات، ونقص الكفاءة الفنية؛ في ظل التطورات التقنية، بالإضافة إلى صعوبة استخراج التصاريح، ونقص التدريب، وضعف القدرات التسويقية.

ث- نقص الحوكمة فيما يخص مشاريع المواطنين، وغياب الأنظمة المالية والمحاسبية والرقابية، وكذلك نقص المعلومات عن المشروعات المنافسة.

ج- تغير السياسات والإجراءات والاشتراطات التي تقوم بها الجهات الحكومية والجهات غير الحكومية.

بالنسبة للفرص:

- يجب على إدارة المشاريع الصغيرة العمل على التأقلم مع المنافسة، ومواكبة المتغيرات بصفة أسرع من الشركات الكبرى؛ لأن من مزايا المشاريع الصغيرة المرونة، والقدرة على التحرك أسرع في ذلك.

- ويجب على إدارة تلك المشاريع كذلك أن تستغل المرحلة، والفرص التي تقدمها الحكومات والبنوك المركزية لدعمها، والبقاء بصفة دائمة؛ عن طريق الابتكار والإبداع؛ للنمو المستمر.

- ويجب كذلك على الإدارة أن تراقب المشاكل والتحديات بدقة، وتحافظ على روح التحفيز الذاتي، والتخلص من مخاوف الفشل، وأن تزيد ثقتها، مع أهمية التعاون بشكل رئيس.

 

المبحث الثالث: الدارسات السابقة

نتناول في هذا المبحث بعض الدراسات السابقة؛ وهي كما يلي:

1.     في دراسة عن أهم القضايا التي تواجه المشاريع المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر بالأسواق المالية العربية؛ قام بها فريق عمل مكلف من اتحاد هيئات الأوراق المالية العربية. (اتحاد هيئات الأوراق المالية العربية، 2023) أوضحت الدراسة أهمية المشاريع الصغيرة في محاربة البطالة، ومكافحة الفقر. وهناك حاجة لتوفير معلومات كافية، وواضحة لمتخذي القرار بالجهات المعنية بهذه المشاريع للمساعدة في استقصاء أهم القضايا؛ وذلك في عدة دول عربية لتساعد في تمويل هذه المشروعات. والهدف من الدراسة هو رفع الوعي المالي لرواد الأعمال والوصول لأساليب مبتكرة للمساعدة في تمويل هذه المشاريع والعمل على مواجهة خطر الفشل المالي؛ عن طريق التوسع في استخدام أدوات مالية غير مصرفية، ورأس المال المخاطر لتخفيض تكلفة التمويل. وأهم النتائج ضرورة الاهتمام بخفض تكاليف تقنين الأوضاع، والتوعية بالمزايا الائتمانية والتسويقية، وتنظيم سوق العمالة لدمج المشاريع الصغيرة في الاقتصاد الرسمي.

2.     أما دراسة (حسن، 2020) فقد أوضحت أن للمشروعات الصغيرة والمتوسطة دور اقتصادي كبير في التنمية المحلية، وأن جهود الدول لدعم وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة على درجة كبيرة من الأهمية، ويستلزم ذلك بحث المعوقات التي تواجه تلك المشروعات للتغلب عليها.

3.     وتناولت دراسة (درويش، 2023) موضوع قصور أداء المؤسسات التمويلية ممثلة في البنوك في الوفاء باحتياجات المجتمع ومتطلبات السوق، وجعل من المستحيل تحسين القدرة التنافسية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ إلا من خلال دعم وتعزيز تلك المشروعات لتحقيق التنمية المستدامة.

4.     وكذلك دراسة (رشوان وآخرون، 2022) التي تناولت التمويل المصرفي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأوضحت أن التمويل المصرفي هو تمويل مباشر، وهناك تمويل آخر وهو التمويل الغير مباشر ويتمثل في تقديم الدعم المادي والفني والاستشاري الذي تقدمه مؤسسات غير مصرفية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وكذلك تناولت أهم التحديات التي تواجه إدارة تلك المشرعات.

من عرض بعض الدراسات السابقة يتضح أن أغلبها تناولت أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة في تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن المشاريع الصغيرة تواجه تحديات كثيرة، وأن حكومات الدول تعمل على دعم هذه المشاريع لمواجهة تلك التحديات. وأنه يوجد العديد من الأبعاد ذات الصلة بالمشاريع الصغيرة، مثل التكنولوجيا، وأن مشكلة التمويل على رأس التحديات، وأن زيادة القدرات التنافسية لتلك المشاريع يحتاج إلى مساندتها، وتقديم التسهيلات اللازمة لها. وأهم صور الدعم هو التمويل عن طريق استخدام أدوات مالية غير مصرفية، وخفض تكاليف تقنين الأوضاع.


المبحث الرابع: تجارب بعض الدول في مجال المشاريع الصغيرة

يتناول هذا المبحث تجارب بعض الدول في مجال المشاريع الصغيرة، ونركز على تجربة كوريا الجنوبية، وتجربة الصين؛ حيث تعتبر التجربة الصينية تجربة محورية في المشاريع الصغيرة لدفع النمو الاقتصادي الصيني، وتجربة مصر كدولة تواجه تحديات اقتصادية؛ وتسعى إلى الاهتمام بالمشاريع الصغيرة، وتجربة سنغافورة؛ كتجربة ناجحة في الاهتمام بالمشاريع الصغيرة، وفي نفس الوقت تختلف الظرف فيما بينها عن التجارب الأخرى من حيث دورها في التنمية الشاملة والمتوازنة.

  

*  تجربة كوريا الجنوبية في المشاريع الصغيرة:

بدأ الاهتمام بالصناعات الصغيرة في كوريا الجنوبية من الستينيات من القرن الماضي؛ ضمن خطة التنمية الاقتصادية الخمسية الأولى عام 1962 (مع ملاحظة أن بعض التجارب؛ مثل التجربة المصرية في الصناعة بدأت في نفس هذا التاريخ تقريبًا).

وتعتبر الحاضنات إحدى وسائل الدعم للمشاريع الصغيرة؛ حيث أن الحاضنات تعتبر مؤسسات تقدم خبرة وخدمات للشباب الذين يفتقرون إلى المقومات الإدارية والمادية؛ ولكن لديهم طموحات، وأفكار، واختراعات واعدة؛ تحتاج إلى أن تتحول إلى مشاريع تقدم منتجات أو خدمات مربحة. وقد ساهمت حاضنات المشاريع الصغيرة في اقتصاد كوريا الجنوبية؛ نتيجة زيادة البطالة وحالة الركود الاقتصادي؛ بسبب انهيار صناعات تقليدية مثل الفحم، وبناء السفن خلال القرن العشرين على المستوى العالمي؛ مما أدى إلى توجه كوريا الجنوبية إلى المشاريع الصغيرة لزيادة التشغيل؛ ومثلت حاضنات المشاريع عاملًا مهمًا في ذلك. (الجزار، 2024)

وأهم ما يميز التجربة في كوريا الجنوبية وارتباطها بتنمية المشاريع الصغيرة؛ من خلال إنشاء بنك متخصص للصناعات الصغيرة والمتوسطة؛ بهدف تقديم قروض وتسهيلات ائتمانية، وتقوم بتقديم خدمات استشارية في الأعمال الإدارية والفنية.

قامت كوريا الجنوبية بالتحول إلى الصناعات الثقيلة في السبعينيات من القرن العشرين؛ وفي إطار الاهتمام بالمشروعات الصغيرة قامت الحكومة الكورية بتقديم الدعم للمشاريع الصغيرة لكي تكون عاملًا مساندًا للقطاع الصناعي والكيماوي؛ وفي سبيل ذلك عملت على الآتي: (جمال، وآخرين، 2020)

-         تقديم إعفاءات ضريبية، وقروض ميسرة.

-         إنشاء هيئة لتشجيع الصناعات الصغيرة عام 1978، وتوفير برامج لقطاع المشاريع الصغيرة للمساعدة المالية، وخدمات الإدارة والتسويق والمعلومات وتقديم التدريب اللازم.

-         قامت عام 1981 بسن القوانين التي تهدف إلى التشجيع على قيام الحكومة بشراء منتجات المشاريع الصغيرة.

-         قامت بتقديم برامج دعم للمشاريع الصغيرة؛ حيث تم القيام منذ عام 1983 باختيار ألف مشروع كل عام، وتقديم الحوافز والتسهيلات اللازمة لهم.

-         وضع برامج للتشجيع على تصدير منتجات المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ من خلال مراكز دعم الصادرات.

-         تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ للمساعدة على استخدامها للتكنولوجيا الحديثة والقيام بتطوير التكنولوجيات القائمة.

يستنتج مما سبق؛ اهتمام الحكومة الكورية بالمشاريع الصغيرة من جميع الجوانب، سواء الإدارية، أو التسويقية، أو التكنولوجية. ومن ناحية أخرى قامت الحكومة الكورية بتقديم حوافز مالية وضريبية؛ حيث أنشأت الحكومة الصندوق المالي لضمان القروض عام 1976، وقدمت إعفاءات ضريبية للمشاريع الحديثة التي تقام خارج المدن، وفي المناطق الريفية، وتخفيض ضريبة الدخل بنسبة 50%.

وكل أوجه الدعم هذه وغيرها أدت إلى أن تصبح كوريا الجنوبية من الاقتصاديات التي تعتمد في تقدمها على المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ حيث يوجد أكثر من 3 مليون مشروع صغير ومتوسط، وتشكل نسبة 99% من مجموع الشركات العاملة في كل القطاعات الاقتصادية، ويعمل بها نحو 10.9 مليون عامل، حيث يمثل التوظيف في هذه المشاريع نسبة 87.5% من الوظائف في كوريا الجنوبية. كما تقوم هذه المشاريع بتصدير أكثر 31.9% من صادرات كوريا. (الجزار، 2024، ص 179).

ورغم امتلاك الحكومة لشركات ضخمة؛ مثل سامسونج، وإل جي؛ إلا أن المشاريع الصغيرة تسيطر على نسبة كبيرة من الاقتصاد الكوري وتحقق أرباحًا كبيرة، ونموًا مستمرًا.

وعمومًا يمكن القول إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة في دول شرق آسيا تعتبر عاملًا مهمًا في تحقيق أهداف رؤية الدول في هذه المنطقة؛ من حيث مكافحة البطالة، وزيادة نمو الدخل القومي، ورفع مستوى المعيشة.

 

* تجربة سنغافورة في المشاريع الصغيرة:

تقع سنغافورة في جنوب شرق آسيا. ويعتبر التحول الرقمي من أهم ما يميز تجربة سنغافورة في دعم المشاريع الصغيرة. وقد وفرت سنغافورة بيئة أعمال جاذبة لتسهيل نمو المشاريع الصغيرة؛ لتصبح عاملًا مهمًا في الاقتصاد السنغافوري.

وتستحوذ المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سنغافورة على 99% من هيكل الاقتصاد في سنغافورة، وهي تتشابه مع كوريا الجنوبية في سيطرة هذه المشاريع على الاقتصاد، ودورها الكبير في تنمية الصادرات. كما تتشابه معها في أن المشاريع الصغيرة تقوم بدور محوري في دعم وسد حاجات المشاريع الكبيرة، ومن أوجه دعم الحكومة السنغافورية للمشاريع الصغيرة إنشاء قسم لتنشيط التجارة والصادرات، وتقديم الدراسات عن الأسواق الدولية. وتقوم الحكومة بتنظيم المؤتمرات، والدورات التدريبية عن التجارة والأسواق الدولية. (جمال، وآخرين، 2020)

ويقدم بنك التنمية السنغافوري مساعدات مالية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة بأسعار فائدة أقل من السعار التجارية، وانضم إليه عدد كبير من البنوك في هذا الإطار.

ومن دلائل أهمية التحول الرقمي ودور في إعطاء أهمية لإنشاء المشاريع الصغيرة الجديدة والاستفادة منه؛ هو تقليل المدة الزمنية اللازمة لإنشاء مشروع صغير تجاري؛ مما جعل سنغافورة من أقل الدول؛ من حيث الوقت اللازم لتأسيس مشروع صغير.

 

* التجربة الصينية في المشاريع الصغيرة:

أصبحت المشاريع الصغيرة والمتوسطة محركًا رئيسيًا للاقتصاد الصيني على مدى ثلاثة عقود ماضية؛ حيت تحول كل منزل إلى مشروع صغير. وتعتمد الصين بشكل كبير على المشاريع الصغيرة، وتشير البيانات إلى أن أكثر من 90% من الشركات ضمن المشاريع الصغيرة. وأصبحت المشاريع الصغيرة تسهم بأكثر من 59% من الدخل القومي، ونسبة 68% من التجارة الخارجية للصين، و حوالي 75% من العمالة تعمل في هذه المشاريع في المناطق الحضرية، كما تقوم المشاريع الصينية بدور رئيسي في زيادة الصادرات الصينية إلى دول العالم  (محمود ، 2024).

وقد قدمت الحكومة الصينية دعمًا من خلال ما يلي:

-         تمكين ملايين الأشخاص من إنشاء شركات ومشاريع صغيرة في منازلهم؛ دون تراخيص وبرأسمال فردي.

-         تأمين مواقع التسوق المحلي والدولي، وإزالة عوائق التصدير، وتشجيع شركات الشحن من التواجد بالسوق الصيني.

-         تقوم الحكومة الصينية بدعم المشاريع الصغيرة من خلال الإعفاءات الضريبية، والقروض الميسرة، وحاضنات الأعمال.

وتعتبر تجربة الصين في المشاريع الصغيرة من التجارب المميزة، ويمكن الاستفادة منها في الكثير من الدول؛ خاصة فيما يتعلق بالجانب التنظيمي، والدعم الحكومي، وكفاءة الإدارة، ونقطة إضافية تتعلق بتقديم مراكز البحث الحكومية لأصحاب المشاريع التوجهات التي يمكن بها تلافي العقبات التي يمكن مواجهتها.

 

*  تجربة جمهورية مصر العربية في المشاريع الصغيرة:

يبلغ عدد المشاريع الصغيرة في مصر حسب إحصاءات 2020 نحو 216 ألف منشأة، وتوظف حوالي 1.9 مليون شخص، بإجمالي أجور حوالي 45 مليار جنيه، وإنتاج 527.5 مليار جنيه.

طبقًا لقانون المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مصر 2024؛ فإن المشروع الصغير يعرف بأنه كل مشروع يصل حجم أعماله السنوية إلى مليون جنيه مصري، ويقل عن 50 مليون جنيه. أو أنه كل مشروع صناعي حديث يبلغ رأس ماله المدفوع أو المستثمر 50 ألف جنيه، ويقل عن 5 ملايين جنيه. أو أنه مشروع غير صناعي حديث التأسيس، ويصل راس ماله 50 ألف جنيه ويقل عن 3 ملايين جنيه. (taxegypt، 2024).

تم صياغة هذا القانون منذ عام 2020، ولا يزال يطبق حتى الآن، وقد أوضح موضوعات التمويل، وجهات التمويل...إلخ ويستهدف ضمن أهدافه تنظيم الحوافز الضريبية وحوافز الشركات التي تدعم هذه المشاريع وغيرها. ومن ضمن مستهدفات هذا القانون هو توفيق أوضاع هذه المشاريع؛ حيث تعتبر المشاريع الصغيرة من عوامل نمو الاقتصاد غير الرسمي (الخفي)؛ وذلك بسبب طبيعة هذه المشاريع من أنها تميل على إجراء معظم تعاملاتها باستخدام النقود السائلة؛ وهو ما يساعد على تسهيل عدم سداد الضرائب؛ لذلك فإن محاولات تطبيق نظام ضريبي معين قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على هذه المشاريع؛ لأن الكثير من هذه المشاريع يعمل في ظل الاقتصاد غير الرسمي. كما يتضمن القانون حاضنات المشاريع؛ حيث تعفى هذه المشاريع وفقًا لأحكام القانون من رسوم التوثيق، وضريبة الدمغة. تم إنشاء جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة؛ وهو صندوق خاص يتبع مجلس الوزراء ويقوم بتمويل المشاريع، ويهدف لتنمية المشاريع الصغيرة.

حددت استراتيجية وزارة التجارة والصناعة المصرية من ضمن أهدافها مساعدة 2,5 مليون منشأة تعمل في كمشروعات صغيرة ومتوسطة؛ من خلال تحسين مستوى أداء هذه المشاريع. في ظل تنامي عدد السكان في مصر؛ حيث وصل عدد السكان بالداخل 107 مليون طبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وطبقًا لإحصاءات البنك الدولي؛ فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.8%، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي 395.5 مليار دولار أمريكي.

يتضح من هذا القانون أن يستهدف موضوع مهم؛ وهو توفيق أوضاع هذه المشاريع؛ حيث تعتبر المشاريع الصغيرة من عوامل نمو الاقتصاد غير الرسمي (الخفي)؛ وذلك بسبب طبيعة هذه المشاريع من أنها تميل على إجراء معظم تعاملاتها باستخدام النقود السائلة؛ وهو ما يساعد على تسهيل عدم سداد الضرائب؛ لذلك فإن محاولات تطبيق نظام ضريبي معين قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على هذه المشاريع؛ لأن الكثير من هذه المشاريع يعمل في ظل الاقتصاد غير الرسمي؛ في كثير من الدول؛ خاصة الآخذة في النمو. (علي، 2016). لذلك تسعى إلى دمجها في الاقتصاد الرسمي. لذلك فإن المشاريع الصغيرة يجب أن تكون حاصلة على تصاريح من قبل الجهات الاقتصادية المعنية؛ بناء على رخصة تجارية في الأنشطة المسوح بها، أو حسب طلبات الجهة المختصة.

 


المبحث الخامس: النتائج والتوصيات

تتمثل أهم النتائج فيما يلي:

-         تناولنا في هذا البحث أهمية المشاريع الصغيرة في تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة؛ من حيث أهميتها في خفض نسب البطالة؛ حيث تعتمد على العمالة؛ لأنها مشاريع تعتمد أساسًا على تكنولوجيات مناسبة للبيئة المحلية. تشكل المشاريع الصغيرة نسبة كبيرة من مجموع المشاريع والمنشآت العاملة في بعض الدول، وتسيطر على نسبة كبيرة من بعض الاقتصاديات التي تعتبر اقتصاديات قوية، وتتمتع بقدرات تنافسية عالمية كبيرة.

-         تواجه المشاريع الصغيرة في الوقت الحالي الكثير من التحديات (المالية وغير المالية)؛ خاصة في ظل اشتداد المنافسة، وتطور المتغيرات العالمية الاقتصادية، وظروف العولمة، والتطور التقني الكبير...إلخ. وأدى ذلك ببعض حكومات الدول إلى توجيه الدعم والمساندة إلى هذه المشاريع، وأوضحنا كمثال تجربة كوريا الجنوبية، وكيف أن حكومة كوريا الجنوبية ساندت المشاريع الصغيرة منذ سبعينيات القرن العشرين من جميع الأوجه؛ حتى أصبحت هذه المشاريع حاليًا تمثل حوالي 99% من عدد الشركات والمؤسسات العاملة في الاقتصاد، وأصبح يعمل بها حوالي 87% من إجمالي عدد العاملين في جميع قطاعات الاقتصاد الكوري الجنوبي. وساهمت في نسبة كبيرة من الصادرات الكورية. أوضخنا كذلك في التجربة الكورية أهمية حاضنات المشاريع، ودورها في مساندة ودعم المشاريع الصغيرة لتحقيق هدف نموها وتطورها. كما تناولنا تجربة كل من الصين وسنغافورة كتجارب مهمة في دعم الحكومات لها، ومن ثم اعتماد الاقتصاد عليها.

-         أوضحنا كذلك أهمية الإدارة الفعالة في إنجاح المشاريع الصغيرة، وتكيفها مع البيئة، واستمرارها ونموها. كما أوضحنا أهمية التحول الرقمي في بعض الدول، وكيف تم الاستفادة منه لنمو وزيادة المشاريع الصغيرة لتحقيق أهدافها؛ مثل تجربة سنغافورة.

-         أيضًا من خلال التجارب الدولية؛ يمكن القول إنه رغم عدم توفر موارد اقتصادية في بعض الدول، ووجود متغيرات عالمية جديدة؛ خاصة في تجربة كوريا الجنوبية، وأيضًا تجربة سنغافورة؛ فإن توفر الإرادة التنموية، والدعم الحكومي والإدارة والتخطيط الجيد كان لها أكبر الأثر في نمو المشاريع الصغيرة، واستمرارها ومساهمتها في التنمية المستدامة لهذه الدول.

-         وفي هذا الإطار يمكن التأكيد على أن الفرص الخارجية التي تتمحور حول فتح الأسواق العالمية؛ رغم أنها متغيرات قد تمثل صعوبات؛ فإنها قد تتحول إلى فرص للمشاريع الصغيرة؛ في حال توفر الدعم المحلي الحكومي، بالإضافة إلى أهمية الاهتمام بالمورد البشري كما في التجربة الصينية وغيرها من التجارب؛ مما يؤدي إلى قيام المشاريع الصغيرة بدورها، وتحقيق الأهداف لأصحابها.

التوصيات:

-         تعزيز التواصل بين أصحاب المشاريع الصغيرة والحكومة؛ فهي علاقة تعاون لا علاقة صراع؛ مما يؤدي إلى ثقة أصحاب المشاريع الصغيرة في الحكومة.

-         إعطاء تبادل المعلومات بين الحكومة وأصحاب المشاريع الصغيرة أهمية؛ حيث يمكن الاستفادة من التحول الرقمي، والحكومة الرقمية في هذا الموضوع.

-         أهمية التزام أصحاب المشاريع الصغيرة بالقيم والأخلاق الفاضلة والنية الصادقة والإخلاص في العمل، وحسن التعامل مع الناس، وحسن اختيار العاملين، وتجنب مخالفة القوانين.

-         يمكن للحكومات الاهتمام بتقديم المبادرات لتعزيز قدرات المشاريع الصغيرة، ومساندتها في اتخاذ القرارات، وأن تسمح الحكومة لأصحاب المشاريع الصغيرة بإبداء آرائهم، والمشاركة في صنع القرارات؛ للإسهام في وضع الخطط والاستراتيجيات المستقبلية، ومناقشة الحلول للمشكلات عن طريق الوسائل الإلكترونية.

-         يمكن للجامعات والمراكز البحثية القيام بدور فعال في تقديم المساعدة لأصحاب المشاريع الصغيرة، في إطار العمل على حل المشكلات المجتمعية، عن طريق مشاركة المشاريع الصغيرة في حل المشكلات التي تواجههم.

 

 

 

 

 

 

 

هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات