بسم الله الرحمن الرحيم
💦 قال الله تبارك وتعالى:
{والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم} (المعارج: 24-25)
💧 سلسلة الإعجاز الاقتصادي في ضوء القرآن والسنة (2)
الإعجاز الاقتصادي في حماية الملكية في ضوء القرآن والسنة
♦ الإعجاز الاقتصادي
في حماية الملكية الخاصة في القرآن والسنة:
إن قضية التملك تعتبر من أهم القضايا
الاقتصادية التي احتلت مكاناً بارزاً في كل الأزمنة والأمكنة وبين المذاهب
والأنظمة. اعتبرها البعض أس البلاء وسبب المشكلات، ومن ثم زهد فيها، ومنها من
اعتبرها أقدس النوازع؛ وأهم ما يحرص عليه الإنسان؛ وهي عماد التقدم والنمو،
وبالتالي حبب إليها. وقد نظر البعض إلى عدم التملك (الفقر) على أنه أمر مرغوب فيه،
ونظر إليه البعض على أنه مكروه.
وكان الجدل القائم بين النظم
الاقتصادية في تملك سلع الإنتاج وليس سلع الاستهلاك؛ باعتبار أن تملك سلع الإنتاج
يمكن أن يؤدي إلى التحكم في سياسة الدولة الاقتصادية.
وقد أقر القرآن بأن الإنسان مفطور على حب
المال والرغبة في زيادته ونمائه. يقول الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ
زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: 46). وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ
الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20).
وفي الحث على الكسب الحلال
والحياة الكريمة الطيبة، وأن المال من نعم الله سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل:﴿
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ
وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ (الإسراء: 6).
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على المال
الصالح في يد الرجل الصالح؛ يقول صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح
للمرء الصالح" (رواه أحمد وغيره
وصححه الألباني).
تتفق فلسفة الملكية الخاصة في
الإسلام مع فطرة الإنسان في حب التملك، ومن مقاصد الشريعة حفظ المال وعدم الاعتداء
عليه، ولا يجوز في نفس الوقت التعسف في استخدام الملكية الخاصة في الإفساد في
الأرض أو الضرر بالناس، كما تحرم تنمية المال بما يضر بالقيم والأخلاق. ومع أن
الإسلام يحمي الملكية الخاصة؛ فإن الملكية العامة تُقَدَم على المصلحة الخاصة في حال
تعارضهما معاً.
إن الملكية الخاصة محترمة في
الإسلام بقيودها لأنه يلبي ميول الأفراد الطبيعية في التملك، ويحثهم على بذل كل
جهدهم في الإنتاج، ومع ذلك فإنه يدع خيرات ذلك كله للمجتمع، وفي خدمته عندما تقتضي
الحاجة لذلك. فهو نظام عادل عن النظم الوضعية، فهو يعد الفرد للمجتمع ويعد المجتمع
للفرد.
♦ الإعجاز الاقتصادي
في حماية الملكية العامة في القرآن والسنة:
يقصد بالملكية العامة أن تكون ملكية المال
للناس جميعاً أو لمجموعة من الجماعات؛ دون أن يختص الانتفاع به أو استغلاله لأحد
لنفسه؛ ولا يتعارض انتفاع أحد مع انتفاع غيره. وإذا تعارض؛ يرد إلى مشاركة غيره في
الانتفاع على أساس من المساواة والعدل، حيث لا يمنع انتفاع أحدهما من انتفاع
الآخر.
وهناك مسميات كثيرة للملكية
العامة؛ منها المال العام، الأموال الأميرية، قطاع الأعمال العام..، ولكن التسمية
الأكثر تداولاً الملكية العامة أو المال العام. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر: 7). ويقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "المسلمون شركاء في ثلاث: الماءِ والكلأ والنارِ" (رواه أبو
داود). وفي رواية أخرى زيد عليها الملح.
وقد نهى الله تعالى عن خيانة
الأمانة بصفة عامة؛ ومنها بحكم العمل، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( الأنفال: 27). وعن تحريم الغلول
وحرمة المال العام؛ يقول الله تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ
وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ
نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 161).
وقد أجمع
الفقهاء على مشروعية الملكية العامة، ولكن اختلفوا في الأشياء التي تدخل في
نطاقها، وعلى سبيل المثال؛ فإن معادن الأرض مثل النفط والحديد؛ وغيرهما؛ تدخل في
نطاق الملكية العامة، فلا يجوز اقطاعها لأحد من الناس؛ وتبين الأدلة الشرعية أن
نظرة الإسلام إلى الملكية العامة مرتبطة بمصالح المسلمين عامة، ودرء الضرر عنهم.
وتوجد ضوابط للملكية العامة وخصائصها وعقوبات وحدود معينة؛ توقع على من يعتدي
عليها، وولي الأمر مسئول عن حمايتها.
وقال الشافعي
رضي الله عنه: "ما لا يملكه أحد من المسلمين صنفان: أحدهما ما يجوز أن
يملكه من يحييه وذلك في الأرض.. والثاني ما تطلب المنفعة من نفسه كالمعادن الظاهرة
والباطنة كلها من الذهب والفضة والتبر فالمسلمون في هذا شركاء وهذا كالنبات لا
يملكه أحد".
يهتم
الإسلام بحماية الملكية العامة من الاعتداء عليها لأنها عرضة للاعتداءات أكثر من
الملكية الخاصة، وتقع مسئولية ذلك على جموع المسلمين، وهذا ما يميز النظام
الإسلامي عن النظم الوضعية. وحماية الملكية الخاصة تقع على الفرد المالك، وفي نفس
الوقت لا يجوز للدولة أن تزاحم الأفراد في المشروعات الاقتصادية وتضيق عليهم.
ومن مقاصد
حماية الملكية العامة تحقيق المنافع العامة ودرء المفاسد والمخاطر عن الناس، وأن
يتعاون المال العام مع الخاص لتحقيق الخير للناس وللمجتمع وللأمة الإسلامية، ولكل
منهما مناط وغاية؛ ويجب ألا يطغى أحدهما على الآخر.
♦ الإعجاز الاقتصادي في حماية مال اليتيم في
القرآن والسنة:
إن أكل أموال الناس بالباطل له
العديد من النتائج السلبية اقتصادياً واجتماعياً. ويعتبر الاقتراب من أموال
اليتامى بغير سبب مشروع ضمن أكل الأموال بالباطل. وقد نهى الإسلام عن أكل أموال
الناس بالباطل وحرمه تحريماً خاصاً في حالة أموال اليتامى.
قال الله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10). ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا
مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 34).
إن حماية مال اليتيم تكون بعدم
الاقتراب منه؛ وهي ضمن الحماية من أكل أموال الناس بالباطل؛ حيث يعتبر التعدي على
مال اليتيم من اشد أنواع أكل الأموال بالباطل؛ إثماً. ويكون حمايتها أيضاً عن طريق
العمل من أجل عدم انخفاض مقدارها أو قيمتها، وذلك عن طريق استثمارها والإتجار
فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه
حتى تأكله الصدقة" (رواه الترمذي). ويؤدي ذلك إلى حماية اليتامى وحماية أموالهم، ويساعدهم في
أن يصبحوا قوة منتجة في المجتمع بدلاً من أن يكونوا قوة غير فاعلة.
كما يؤدي استثمار أموالهم إلى
رفع قدرة المجتمع الإنتاجية، وبالتالي يزيد الدخل ويتحسن مستوى معيشة هذه الفئة،
كما يسهم ذلك في زيادة الدخل القومي وتحسين مستوى معيشة المجتمع.
♦ الإعجاز الاقتصادي في علاج انحرافات توزيع الثروات في القرآن
والسنة:
إن توزيع الدخل والملكية في
النظام الاقتصادي الحالي في ظل الحرية الاقتصادية يشوبه انحرافات، ولا يؤدي هذا
النظام الهدف الأمثل الذي ينادي به. ويقرر المؤيدون للنظام الرأسمالي أن هذا
النظام يمكن من خلاله تصحيح هذه الانحرافات في توزيع الدخول والثروات عن طريق
السياسات المالية والضريبية الحكيمة، وهي الثمن الذي يجب دفعه للاحتفاظ بمزايا
الرأسمالية، وهي الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية وحافز الربح وروح الابتكار
والمخاطرة في الميدان الاقتصادي.
أما الإسلام فينكر النظرة
الرأسمالية من أساسها؛ ويرى أن المال مال الله، يقول الله تعالى:﴿وَأَنفِقُوا
مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ (الحديد: 7)، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوهُم
مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33). وزكاة المال هي أداة
لإعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء.
ويعتبر العمل في الإسلام هو الأساس للكسب والملكية، سواء عمل الجسم أو الفكر، ويحرم الربا؛ لأن رأس المال في ذاته ليس سبباً من أسباب الكسب الصحيحة. ويوجد فرق بين الربا والربح، وأحل الله تعالى الربح في البيع والتجارة، وحرم الربا في الدين؛ مع أن كلاً منهما زيادة على رأس المال ينالها أحد المتعاقدين، وتعتبر الفائدة المصرفية ربا؛ لأن الربا هو الزيادة المشروطة سلفاً على المال خلال فترة معينة.
كما يحدد الإسلام طرق تنمية المال، ولا يقر أي وسائل غير مشروعة مثل الربا، والغش، والقمار، والاحتكار، والاستقطاع من أجور العمال لكي يزيد الربح، كما لا يعترف بالنهب أو السرقة أو السلب بالإكراه كوسائل للتملك أو لتنمية المال.
وقد جعل القرآن الكريم الزكاة
(مع التوبة من الشرك وإقام الصلاة) عنوان الدخول في دين الإسلام، واستحقاق أخوة
المسلمين، والانتماء إلى الإسلام، قال الله تعالى في شأن المشركين المحاربين: ﴿فَإِن
تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 5)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن
تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ
ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 11). وقد أرسل رسول
الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى أرض اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من
الأغنياء ويردها على فقرائهم.
إن للإسلام في إعادة توزيع
الثروة سياسة حكيمة عادلة؛ تتفوق على الأنظمة الغربية المالية في عصرنا الحالي. فمثلاً؛
محاربة البطالة عن طريق الزكاة يساهم في عدالة توزيع الثروات؛ كما تسهم في حل مشكلة
الفقر. وأهم مشكلة يمكن من خلال الزكاة حلها؛ هي مشكلة التفاوت الاقتصادي الفاحش؛
حيث يعمل الإسلام على عدالة التوزيع، وتقارب الملكيات في المجتمع.
والزكاة أول تشريع منظم في سبيل
الضمان الاجتماعي وإعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء، والدولة هي التي تجمع هذه
الضريبة وتتولى انفاقها بنظام معين، وفي يد الدولة أيضاً أن تفرض ضرائب لكل وجه
آخر (مثل ضريبة للتعليم أو الصحة أو الضمان الاجتماعي..) تعجز الموازنة العامة على
الإنفاق عليه.
كما من حق الدولة نزع الملكيات، وان تأخذ نسب
معينة من الثروات تجد أنها ضرورية لحماية المجتمع من أزمات أو أوبئة أو أمراض.. أو
من أي آفات في المجتمع. كل ذلك في سبيل تحقيق مستوى معيشة لائق لكل فرد في المجتمع
الإسلامي، ولم يكن هذا النظام خاصاً بالمسلمين بل كل من يعيش في ظل الدولة
الإسلامية.
♦ الإعجاز الاقتصادي في الإنفاق في القرآن والسنة:
ينقسم
الإنفاق إلى إنفاق استهلاكي وإنفاق استثماري، والحث على الإنفاق؛ وخاصة الإنفاق
الاستثماري يؤدي إلى مجموعة زيادات في الانفاق على الاستهلاك وهو ما يعرف بأثر المضاعف، ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب الفعلي. وبالتالي يؤدي إلى التغلب على حالة
الركود وعجز السيولة وانتشار البطالة، ويؤدي إلى المساهمة في بث الثقة ودفع عجلة
الإعمار.
ويتولد
النشاط الاقتصادي وفقاً للمنهج الإسلامي بالحض على الإنفاق بمكوناته الثلاثة؛
الاستهلاكي والاستثماري والصدقي (بشقيه الاستهلاكي والاستثماري). والحض على
الإنتاج والكسب ودفع عجلة النشاط الاقتصادي والنمو والتنمية.
وللمال الكَثير بعض الآفات على
الحياة الشريفة؛ ويحض الإسلام على الكفاف في الرزق، مع حفظ الحرية والشرف، على
امتلاك دواعي الترف والإسراف. وينظر إلى المال الزائد عن الحاجة الكمالية أنه
بلاء؛ سواء في التعب في تحصيله، والقلق في كيفية حفظه، والتفكير في كيفية إنمائه،
أما المستكفي فيعيش أكثر اطمئنانا وأمناً. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن
تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه
فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" (رواه الطبراني، والبزار بنحوه).
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 34). ويقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا
لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:
67). ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا
تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29).
وهناك اختلاف بين الإنفاق في
الفكر الوضعي الرأسمالي وفي الإسلام؛ حيث أن الإنفاق وفق المنهج الإسلامي يكون
منضبطاً وفي الطيبات فليس المهم زيادة الإنفاق؛ ولكن أن يكون في ضوء ضوابط وقيود.
♦ الإعجاز الاقتصادي في سلوكيات المستهلك في القرآن
والسنة:
الاستهلاك هي الظاهرة الاقتصادية
التي تكمل ظاهرة الإنتاج، حيث يدفع المستهلك الثمن نظير المنفعة التي يحصل عليها،
والقيمة للمستهلك عبارة عن علاقة بين المنفعة والتكلفة التي يتحملها.
احتلت سلوكيات المستهلك أهمية
كبيرة في الكتابات الاقتصادية، وهي التي توجه النشاط الاقتصادي والإنتاج، وهو ما
يعرف بمبدأ سيادة المستهلك. وفي التسويق يكون التركيز على رضاء المستهلك أو العميل
أو الزبون.
ومن مصطلح سلوكيات المستهلك؛ نجد
أنه يتكون من شقين سلوك واستهلاك، ولذلك يجب التركيز على العوامل التي تحدد سلوك
المستهلك وتحتوي على جانب نفسي وآخر مادي.
وقد أدخل "جون مينارد كينز"
على نظريته العامة في التوظيف عناصر مثل الميل للاستهلاك والميل للاستثمار والميل
للادخار، وجميعها تخضع لعوامل نفسية سائدة تسيطر على أذهان المستهلكين.
وقد أعرض القرآن الكريم عن مصطلح
الاستهلاك أو الإهلاك والشائع في علم الاقتصاد؛ نظراً لدلالته على الإفناء للسلع
والخدمات، وأيضا في الموارد التي تستخدم في الإنتاج، لأن عملية الاستهلاك ليس
عملية اهلاك محضة، بل تحمل في طياتها البناء سواء للموارد أو للإنسان، من خلال
اشباع احتياجاته والمنافع التي تعود عليه في بناء طاقاته وقدراته، وتمكن من إنتاج
المزيد من المنتجات وبالتالي الإصلاح والإعمار.
إن حرية المستهلك في النظام الرأسمالي تعني أنه لا مانع من تصرف الفرد في
دخله كما يشاء؛ واختيار نوع السلع الاستهلاكية التي ينفق عليها الدخل؛ أما في
الإسلام فهي حرية مقيدة.
♦ الإعجاز الاقتصادي في تحريم الإسراف في القرآن والسنة:
إن زيادة الإنفاق الاستهلاكي عن الحد؛ يُعد
من أهم أسباب انخفاض النمو الاقتصادي، حيث أن الإسراف يؤدي إلى انخفاض الادخار.
وعلى مستوى الاقتصاد ككل فإن الدول المتخلفة اقتصاديا؛ وهي كما جاءت في القرآن؛ الدول
التي تكفر بنعمة الله؛ وهي التي لا تستغل مواردها التي حباها الله تعالى لها
استغلالاً رشيداً؛ وتلك الدول تمتلك جهازاً إنتاجياً غير مرن؛ في ظل إنتاجية
منخفضة. وعندما يزيد الاستهلاك لحد الإسراف ينخفض الادخار والاستثمار، وتزيد
البطالة، وتنخفض الدخول، مع زيادة الاستيراد، وينخفض النمو، وينخفض مستوى
المعيشة...
وقد حرم الإسلام الإسراف، والإسراف هو تجاوز الحد في المال وغيره، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن
قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 147)، ويقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ
قَوَامًا﴾ (الإسراء: 29)، ويقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (آل عمران: 147)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُوا،
وتصدَّقوا، والبسوا، في غير إسرافٍ ولا مَخِيلَةٍ" (رواه البخاري).
إن تحقيق المصلحة المجتمعية يجب
أن يكون دون إهدار للموارد. والإسراف يؤدي إلى مشكلات كثيرة على مستوى الفرد
والدولة، والإنفاق العام للدولة سواء كان نقدياً أو عينياً من أجل اشباع حاجات
عامة؛ يجب أن يكون حقيقيا بعيداً عن الترفيات.
والفرق بين النظام الرأسمالي
والنظام الإسلامي؛ أن النظام الرأسمالي يشجع على الاستهلاك في الترفيات، في حين أن
الإسراف محرم في الشريعة الإسلامية، وهذا من الإعجاز الاقتصادي، كما أن الشح
والتقتير أيضاً له نتائج سلبية، فالإسلام دين يعمل على إيجاد التوازن في الانفاق
بين الإسراف من ناحية؛ والشح والتقتير من ناحية أخرى.
♦ الإعجاز الاقتصادي في تحريم التبذير في القرآن والسنة:
في الاقتصاد الكلي؛ فإن الإنفاق
الكلي على الاستهلاك هو الإنفاق بواسطة مجموع الأفراد أو الدولة ككل على السلع
الاستهلاكية خلال فترة معينة. نظرياً؛ فإن الاستهلاك يكون في المنتجات التي تستهلك
فورياً مثل الطعام والخدمات، ولكن في الواقع العملي؛ فإن الإنفاق الاستهلاكي يتضمن
كل السلع؛ بما فيها التي قد تبقى لفترة طويلة نسبياً؛ مثل الأثاث والسيارات.
والتبذير أشد خطورة من الإسراف،
قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ
السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ
الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (الإسراء:
27،26). وقال سبحانه وتعالى: "كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ
غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ﴾ (طه:81).
إن الإنفاق الخاص أو العام لابد
أن يوجه إلى المجالات الضرورية، كما أن الدولة عليها توجيه النفقات العامة إلى
المجالات التي تيسر حياة الناس وتزيل المشقة.
في النظام الاقتصادي الرأسمالي؛
يعتبر مؤشر الاستهلاك أحد مؤشرات الحالة الاقتصادية؛ ويُتخَذ كمقياس عن حالة النمو
الاقتصادي والانتعاش الاقتصادي؛ ويقاس بصفة مستمرة. أما في الإسلام؛ فإنه يحرم
الإنفاق الترفي الذي يخرج عن دائرة المصلحة؛ وقد ينحرف إلى دائرة التبذير، وهو مقيد
بنوعية المنتجات، على سبيل المثال؛ للمنتج الغذائي مواصفات تميزه. أما الإنفاق
الاستثماري؛ فإن الإسلام يحث عليه لأنه من وسائل إعمار الأرض وزيادة الإنتاج
وتحقيق التنمية.
♦ الإعجاز الاقتصادي في أولويات الإنفاق في القرآن
والسنة:
يهدف الإنفاق إلى تحقيق اشباع
حاجة حقيقية وليست وهمية عن طريق إنفاق مالي نقدي أو عيني، والإنفاق العام يكون
لإشباع حاجة عامة حقيقية. ولرفع كفاءة الأشخاص والدولة في مجال إنفاق الدخل أو استغلال
الموارد؛ يتم خضوع الإنفاق إلى مجموعة ضوابط مرشدة؛ مثل تحقيق إشباع حاجة وتحقيق
مصلحة، والإنفاق طبقاً للأولويات؛ وذلك لمنع الإنفاق في المجالات الثانوية على
حساب المجالات الضرورية ذات الأولوية.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3) ويقول الرسول ﷺ: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه؛ وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" (رواه الطبراني).
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3) ويقول الرسول ﷺ: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه؛ وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" (رواه الطبراني).
أي أن الإنفاق منضبط بمبدأ
الأولويات، كما أن كسب المال لابد أن يكون من طريق مشروع؛ وهو أساس الإنفاق في
الطيبات. والنظام الاقتصادي الرأسمالي
يقوم على حرية المستهلك. أما في المنهج الإسلامي؛ فإن الإنفاق لابد أن يكون وفق
أولويات، وهو معيار أهمية مجال الإنفاق. وهي النفقات الضرورية؛ والتي تتوقف عليها
حياة الناس الدينية والدنيوية، والنفقات الحاجية؛ وهي في المجالات التي تيسر حياة
الناس وتزيل الحرج والمشقة، والنفقات التحسينية؛ وهي النفقات التي توجه إلى
المجالات المحسنة للحياة حتى تصبح الأمة قدوة في الجماليات أمام الأمم. كما أن
الانفاق مقترن بالخير والطيبات وفي سبيل الله.
♦ الإعجاز الاقتصادي في محاربة الفقر في القرآن والسنة:
إن الهدف الأساسي لعملية التنمية هو القضاء
على الفقر. لذلك فإن النمو وحده غير كاف. ومن المشاكل ذات الأبعاد الاقتصادية
والاجتماعية؛ هو تزايد الفوارق في توزيع الدخل والثروة، وما يرتبط بذلك من انتشار
الفقر على نطاق واسع.
ويرى بعض الاقتصاديون أن التدهور في توزيع الدخل
وتركز الدخول والثروات في فئة قليلة في مراحل النمو الأولى يستتبعه تحسن في توزيع
الدخل وتحسن مستويات المعيشة للمجتمع ككل. ويرجع ذلك في تصورهم إلى زيادة ادخار
هذه الفئة القليلة صاحبة الدخول العالية والثروات. وتؤدي إلى زيادة استثماراتهم
مما يزيد من الإنتاج ويفتح مجالات عمل جديدة.
والواقع أن تجارب الدول الآخذة في النمو؛ ومنها بعض الدول العربية التي
اتبعت برامج التثبيت والتغيير الهيكلي أثبتت عدم صحة ذلك، فقد حققت معظم الدول
العربية معدلات نمو عالية في الناتج القومي، ومع ذلك لم تحقق توزيع عادل وحققت نسب
فقر عالية بالنسبة للعالم.
أما المنهج الاقتصادي الإسلامي؛
فيحدد السياسات الاقتصادية والوسائل التي تعالج الفقر؛ وهي كالآتي: العمل الجاد
والضرب في الأرض، والهجرة من مكان إلى مكان طلباً للرزق الطيب، والاستخدام الرشيد
للموارد الطبيعية التي سخرها الله تعالى للإنسان، والاقتصاد في النفقات وتجنب
الإسراف، والادخار والاستثمار. وتعتبر الزكاة، والصدقات التطوعية، والصدقات الجارية من أهم وسائل علاج مشكلة الفقر.
♦ الإعجاز الاقتصادي في تحرير الأسعار في القرآن والسنة:
يتحدد السعر بجانبي العرض والطلب، ومبدأ تحرير
الأسعار يحقق كفاءة في السوق وفي توزيع الموارد، فعندما يزيد الطلب يرتفع السعر
ويزيد العائد والربح؛ وتتجه الموارد لإنتاج السلع التي زاد الطلب عليها. وتتحدد
الأسعار بتقابل منحنيا العرض والطلب.
أما التسعير الجبري يؤدي إلى
حدوث اختلالات في السوق وظهور السوق السوداء Black Market؛ وهو يعني
حدوث فائض في الطلب عند السعر المحدد؛ وتظهر بطاقات توزيع السلع، كما يؤدي إلى
اختلال في توزيع الموارد وبخس المنتجين حقوقهم وحدوث اختناقات في العرض؛ نتيجة عدم
وجود حافز للإنتاج لتدخل الدولة في التسعير؛ لأن تحقيق الربح هو الدافع الرئيس
للإنتاج.
ويقوم تحرير السعر بتنظيم توزيع
السلع والخدمات، والموازنة بين حاجات الإنسان المتنافسة التي تتطلب الإشباع، وإلى
توزيع موارد الإنتاج على الصناعات المختلفة، وتحقيق التوازن بين الإنتاج
والاستهلاك. حيث أن المنتج الذي يحقق رغبات المستهلكين سوف يكافأ على ذلك بالحصول
على ربح مجزي.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الروم: 37). وقال عز وجل: ﴿وَلَا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء: 183). وعن أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله هو المسعر القابض، الباسط،
الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"
(رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان).
إن جهاز الثمن كما يطلق عليه في
النظام الرأسمالي؛ يلعب دوراً كبيراً في إحداث نوع من الملاءمة بين رغبات
المستهلكين والمنتجين، وتعتبر الأسعار ترجماناً صادقاً لرغبات الأفراد المتعاملين.
ولذلك ينادي النظام الرأسمالي بمقاومة أي تدخل مباشر من جانب الحكومة في الأسعار
والأسواق؛ إلا إذا اقتضت الضرورة القصوى، ويكون التدخل في أضيق الحدود، وهو نفس
المبدأ الذي يقوم عليه المنهج الإسلامي.
ويكون تدخل الدولة في النشاط
الاقتصادي لضمان التراضي بين الأطراف في تحديد أسعار السلع، ويؤدي ذلك إلى كفاءة
تخصيص الموارد وعدم بخس الناس أشياءهم، مع مراعاة الاعتبارات الاجتماعية وحماية
المنتجين من الحاق الضرر بالمستهلكين. وتوجد ضوابط شرعية تمنع المنتجين من التحكم
في الأسعار والغلو.
♦ الإعجاز الاقتصادي في تحريم الاحتكار في القرآن والسنة:
وهو يعني حبس الشيء انتظارا لغلائه، حيث يتم حبس
الأشياء التي تشتد حاجة الناس إليها ويستعملونها في حياتهم؛ ويتضررون من حبسها
عنهم، ويستوي في ذلك كونها سلعاً استهلاكية كالغذاء والدواء؛ أو موجهة إلى
الاستثمار والبناء والتعمير.
والاحتكار بأنواعه سواء احتكار
فرد أو احتكار قلة يؤدي إلى خلل في توزيع الموارد وفي النشاط الاقتصادي برمته، وبث
روح العداء والأنانية وعدم الثقة في أي سياسات اقتصادية. يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" (رواه البخاري).
وقد نهى الإسلام عن الاحتكار؛
لما فيه من إهدار للحرية الاقتصادية وتحكم في الأسواق، ويستطيع المحتكر أن يفرض ما
شاء من الأسعار ليرهق الناس في معاشهم أو كسبهم، كما يقتل روح المنافسة التي هي
أساس التفوق والإتقان في العمل والإنتاج.
والاحتكار يكون في كل شيء يضر
بالناس. والمنافسة في النظم الوضعية الرأسمالية منافسة شرسة "قطع
الرقاب". وإلى الآن لم تصدر في بعض الدول قوانين حماية المنافسة ومنع
الاحتكار. وكان النظام الإسلامي سباقاً في تحريم الاحتكار في السلع الاستهلاكية؛
وكل ما يهم الناس.
♦ الإعجاز الاقتصادي في حماية معاملات السوق في القرآن والسنة:
يقوم النظام الاقتصادي على مبدأ
حرية البيع والشراء، والتجارة والمعاملات في السوق هي قوام الحياة، ولابد من حماية
لهذه المعاملات لضمان عدم الجور وإعطاء كل ذي حق حقه. وتقع مسئولية حماية
المعاملات على الدولة، وتدخل ضمن وظائفها، ولم يستخدم القرآن الكريم لفظ الحرية
الاقتصادية وحرية التعامل؛ ولكن استخدم مصطلح التراضي. يقول الله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ
إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا
أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29).
كما أن التجارة وحرية المعاملات؛
لابد وأن تقترن بالإيمان والتقوى وأداء الأمانة، وقال الله عز وجل في شئون
التجارة: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا
فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي
اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا
الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 283). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التَّاجِرُ
الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ" (الدارِمِي
والترمذي)، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يبيع طعاماً فسأله كيف تبيع
فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيه؛ فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "من غش، فليس مني" (رواه مسلم).
إن ضمان المعاملات في السوق
وحمايتها أساس حرية البيع والشراء، وهي مسئولية الفرد والدولة لضمان حرية
المعاملات؛ وتكون على أسس واضحة وعن تراض بين البائعين والمشترين، وكذلك في كافة
المعاملات التجارية، وأيضاً على مستوى الدول الإسلامية وغير الإسلامية، فإن حماية
المبادلات واجبة.
♦ الإعجاز الاقتصادي في حماية المستهلك في القرآن والسنة:
إن المستهلك برفضه أو قبوله شراء السلع إنما
يحدد أنواع كميات السلع التي سيقوم المنتج بإنتاجها. والمستهلك سريع التأثر
بتقلبات الأسعار، فالمستهلك عندما يشرع في شراء سلعة معينة يقدر لنفسه ثمناً
معيناً، ولكن عندما يجد أن البائع قد رفع من سعر السلعة، فهل سيشتري مع ارتفاع
السعر أم سيعزف عن الشراء؟؛ فذلك يعتمد على وجود بدائل للسلعة أم لا؛ وهل هي
ضرورية أم كمالية؟ فمثلاً رغيف الخبز بالنسبة للمستهلك سلعة ضرورية.
ويطلق على مدى استجابة الطلب على سلعة معينة لتغير السعر مصطلح مرونة الطلب السعرية، فعندما تكون النسبة المئوية للتغير في الكمية المطلوبة أكبر من النسبة المئوية للتغير في السعر يكون الطلب مرناً والعكس صحيح.
ويطلق على مدى استجابة الطلب على سلعة معينة لتغير السعر مصطلح مرونة الطلب السعرية، فعندما تكون النسبة المئوية للتغير في الكمية المطلوبة أكبر من النسبة المئوية للتغير في السعر يكون الطلب مرناً والعكس صحيح.
لذلك فإن السلع الضرورية تكون
أقل مرونة من السلع الكمالية أو الترفيهية. ونجد هنا فإن الإسلام يحرص على تلبية
حاجات المستهلك الضرورية وعدم اللعب بأقوات الناس وعدم الغلاء عليهم. يقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "من غش، فليس مني" (رواه مسلم). ونظام
الحسبة في الإسلام والرقابة على الأسواق؛ خير مثال على ذلك..
وترتكز المعاملات في الإسلام على
القيم الإيمانية والأخلاقية؛ والإلتزام بشرع
الله سبحانه وتعالى يؤدي إلى جلب الخير والبركة؛ والبركة شيء أصيل في الإسلام.
♦ الإعجاز الاقتصادي في تحريم الرشوة في القرآن والسنة:
يؤدي الفساد بكل صوره إلى أضرار كثيرة
للمجتمع، ومن أكثر صور الفساد انتشاراً في هذه الأيام الرشوة، وهي تسبب أضراراً
اقتصادية واجتماعية، وقد أخذ الفساد الاقتصادي ينتشر على مستوى العالم في الدول
المتقدمة والنامية على السواء وعلى مستوى الأفراد والمؤسسات الكبرى.
ولتلك الظاهرة نتائج سلبية على كل المستويات
والمجالات، وفي الإشارة إلى الفساد بصفة عامة؛ والتي يدخل في نطاقها الفساد
الاقتصادي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41). وقد أشار الله عز وجل إلى الرشوة في القرآن
الكريم، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ
مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29). كما ورد التحذير من الرشوة في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى
الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188). وروى الإمام أحمد عن ثوبان قال: لعن رسول الله الراشي والمرتشي
والرائش"
إن انتشار الرشوة يكون بسبب ضعف
الوازع الديني والخلقي خاصة من العاملين؛ وعدم الرقابة والمتابعة الجيدة من الرؤساء.
وتحريم الرشوة في القرآن وكل أنواع أكل أموال الناس بالباطل له نتائج إيجابية على
حركة الأموال والنشاط الاقتصادي.
والإسلام يحارب الفساد بكل
أنواعه ومنها الرشوة، وعلى مستوى العالم وفي الدول المتقدمة تلقى موظفين عموميين رشاوي
بالمليارات؛ وهو ما أدى إلى نتائج سلبية اقتصاديا وإدارياً.
وتوجد هيئة عالمية أنشئت عام
1993م معنية بالفساد في العالم وهي هيئة الشفافية الدولية؛ وهي هيئة غير حكومية،
وأصدر الكونجرس الأمريكي قراراً بمنع الشركات الأمريكية من تقديم الرشاوي
للمسئولين في بلدان أخرى للفوز في مناقصات في هذه الدول؛ وكان ذلك في العام 1977م،
ومع ذلك لم يتم القضاء على الرشاوي في هذه الدول بسبب نقص القيم الإيمانية التي
تعتبر أساس النشاط الاقتصادي في الإسلام.
♦ الإعجاز الاقتصادي في كتابة الأموال في القرآن والسنة:
إن كتابة الأموال ضروري
لحفظها، وإزالة الريب، وتنظيم المعاملات على أسس سليمة وقانونية لضمان الحقوق،
وتنظيم الحياة الاقتصادية، ويقول الله تعالى في أطول آية في القرآن الكريم، وتسمى
آين المداينة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ
مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا
يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ
الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ
شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا
يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ ﴾.. إلى قوله تعالى:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ
ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:
282).
وأهم الضوابط التي جاءت في آية كتابة الأموال؛ الآتي:
-
أن يتصف كاتب المال بالعدل والتقوى.
-
والالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة
-
وأن تكون الكتابة طبقاً لما يمليه عليه صاحب
الحق.
-
وفورية إثبات المعاملات المالية.
-
وضرورة إثبات تاريخ المعاملات المالية وأجلها.
-
وأن يقترن التوثيق بالشهود.
-
وشمولية الكتابة صغيرة أو كبيرة.
وتختلف الكتابة والتوثيق في الفكر الوضعي عن
الفكر الإسلامي لأهمية العدل والتقوى للكاتب، وأن التقوى مقترنة بالعلم؛ والقيم
الإيمانية مقترنة بالمفاهيم الاقتصادية؛ والجمع بين الثبات والمرونة.
♦ الإعجاز الاقتصادي في فرضية الزكاة في القرآن والسنة:
الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام؛ وهي
فريضة مالية؛ فرضها الله سبحانه وتعالى؛ لذلك فهي عبادة مالية.
إن سداد مبلغ من المال سواء كان
للدولة أو لبيت المال يكون تبعاً للقدرة على الدفع؛ بغض النظر عن الاستفادة من
خدمات معينة، وهي تؤدي لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وإعادة
توزيع الدخل القومي لتقريب الفوارق بين الطبقات؛ وبما يحقق الكفاية والعدل وتوجيه
النشاط الاقتصادي إلى القطاعات التي تؤدي إلى تحقيق أهداف التنمية.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ (البقرة: 43 و110)، وغيرها من الآيات؛
مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277). وتكررت
آيات الزكاة في القرآن أكثر من آيات الصلاة والحج، مما يؤكد أهمية فرض الزكاة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ
أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا
فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهم إِلاَّ بحَقِّ الإِسلامِ،
وحِسابُهُمْ عَلى اللَّهِ " (متفق عليه).
إن عدم إخراج زكاة المال يعتبر
كنز للمال وحبسه عن أداء وظيفته، والزكاة؛ بأنواعها تعتبر دافعاً للنشاط
الاقتصادي؛ واستثمار المال لتنميته.
♦ الإعجاز الاقتصادي في زكاة عروض التجارة في القرآن
والسنة:
أوضحنا في البند السابق الإعجاز الاقتصادي في
زكاة المال. وينقسم المال على أساس وظيفي عند الفقهاء إلى نقود وعروض، والنقود
مقصود منها المعاملة أولاً ويُعنى بالمعاملة كونها ثمناً، وأما العروض فالمقصود
منها الانتفاع أولاً.
وتنقسم العروض إلى عروض مُعَدة
للبيع وهي عروض التجارة؛ ويطلق عليها حديثاً الأصول المتداولة، وإلى عروض غير
مُعَدة للبيع؛ وهي عروض القنية؛ ويطلق عليها حديثاً الأصول الثابتة.
وطبقت الزكاة في عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم في أربعة أنواع من الأموال: النقدان وهما الذهب والفضة،
والثمار والزروع، والأنعام، وعروض التجارة. وشرعت زكاة عروض التجارة في قول الله
عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ (البقرة: 267).
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم المسلمين بجمع زكاة عروض التجارة، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون. والإعجاز
الاقتصادي هو في سعر هذه الزكاة وعلاقته بمعدل العائد على الاستثمار المتحقق من
المشروع التجاري، وقياس تأثير التغير في معدل عائد الاستثمار على سعر الزكاة.
إن الزكاة ليست مرتبطة بالربح
الذي يحدث آخر العام، ولكنها مرتبطة بالبضاعة الموجودة، وبالمديونيات لصاحب
المشروع أو الشركة... ويحقق سعر زكاة عروض التجارة إيجابيات لم يحققها أي تشريع
مالي وضعي.
♦ الإعجاز الاقتصادي في نظام الوقف في القرآن والسنة:
انتعشت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي
ما يمكن تسميته بحقل "دراسات المجتمع المدني العربي والتحول
الديمقراطي"، وقد شهدت عدة ندوات مناقشة هذا الموضوع. وقد تم طرح سؤال في
العلاقة بين نظام الوقف الإسلامي ومؤسسات المجتمع المدني.
يتأسس نظام الوقف الإسلامي على
مفهوم الاحتساب، فهو عمل حسبي ديني يُبتغى به وجه الله تعالى، فهو عمل خيري لصالح
العباد. وتتأسس مشروعيته على مفهوم "الصدقة الجارية" التي ليست سوى
الوقف عينه. قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم
ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم).
ويرى البعض أن الدولة في الإسلام
هي المؤسسة الحسبية الكبرى، ولكن تغير مفهوم الدولة في دار الإسلام، وقد أفرز
سياسة جديدة في التعامل مع الوقف أفضت إلى حل الأوقاف الذرية، ولم يعد للدولة
إسهام في الوقف، إذ توقفت عن أن تكون مؤسسة حسبية.
وهناك تحيزات للدولة الحديثة ضد
نظام الأوقاف. وتوجد أبعاد وطنية وإنسانية لنظام الوقف. وقد أسهم نظام الوقف
الإسلامي في الخدمات العامة مثل الإسهام في إدارة المياه وحماية البيئة؛ والفن..فهناك
منحى تنموي للوقف، وقد ارتبط نظام الوقف الإسلامي بالازدهار الاقتصادي والثقافي
العام.
مقالات ذات صلة:
حقوق الملكية الفكرية في ضوء القرآن والسنة
