القائمة الرئيسية

الصفحات


 

الزكاة تغني عن القروض الربوية

 

إن الزكاة تطهير للنفس، وتزكية ونماء للمال. ومن الإعجاز المالي والاقتصادي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أن الله تعالى قد قرن بين حرمة التعامل بالربا وفرضية الزكاة؛ حيث أن فريضة الزكاة تضع على المال عبئاً لا يخلصه؛ إلا إنفاقه في سبيل الخير وتحقيق الفلاح. ويؤدي ذلك إلى زيادة النشاط الاقتصادي، ويعود على المنفق أو المزكي خير ذلك.  

يقول الله تعالى:

    -   ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (سورة البقرة: 261).

    -         ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون (سورة البقرة: 272).

 

إن الزكاة ركن من أركان النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي بشروط؛ من حيث: أنها في المال "النامي"، والنصاب، والمقدار، والزمن، ونوعية الأموال، والمصارف، وهي من الأدوات الأساسية للحث على الاستثمار والتنمية وتعمير الأرض. وهي عبادة مالية، وقد استعملت للحض على معالجة المشكلات الاقتصادية، وعلى وجه التحديد مشكلة الفقر. إن الزكاة فريضة وليست عملاً طوعياً؛ وينشأ عنها نظام حماية اجتماعية يقوم على احترام كرامة الإنسان وحريته.

 

دور الزكاة في زيادة ممارسة النشاط الاقتصادي:

تعمل الزكاة على زيادة ممارسة النشاط الاقتصادي، وليست كما يزعم البعض أنها تؤدي إلى الكسل وانخفاض الإنتاجية.. والعكس صحيح.. وتوجد آيات قرآنية كثيرة تدلل على هذا المعنى. ونركز هنا على الآية التي جاءت في معرض الوعد الإلهي بفلاح فئة معينة؛ التي من مواصفاتهم أنهم للزكاة فاعلون، يقول الله عز وجل: "وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ" (المؤمنون: 4). وقد عبر القرآن الكريم عن إيتاء الزكاة في هذه الآية باستعمال لفظ جديد وهو "الفعل".


 والمعروف أن الصدقات وأولها فريضة الزكاة لا تؤدى إلا من المال الطيب؛ فالله طيباً لا يقبل إلا طيباً.

أي أن من صفات الفئة التي يتحقق لها الفلاح في الدنيا والآخرة؛ أنها الفئة التي تسعى وتكد في الأرض؛ بممارسة الأنشطة الاقتصادية المشروعة في إنتاج الطيبات من خدمات وسلع؛ لتحقيق النمو في أموالها. ويعتبر نمو الأموال من قوانين الزكاة؛ حيث تؤدي الزكاة إلى المحافظة على الأموال، ونموها، وتطهيرها... وكلها قوانين للزكاة ثابتة ومضطردة وراسخة. وهذه الفئة أيضأ هي التي تسعى إلى الاستثمار وتكوين رأس المال.


ويعرف رأس المال بأنه أدوات الإنتاج التي لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشرة، وإنما للمساهمة في العملية الإنتاجية. ويوجد فرق بين رأس المال والدخل؛ حيث يؤدي الخلط بينهما إلى كثير من الاضطراب، خصوصاً في معرفة وعاء الزكاة، والفرق بينها وبين الضريبة. الدخل: هو الإيراد أو الغلة التي تعود على الفرد أو المؤسسة من عمله أو ماله. فهو أجر العامل أو إيجار وربح صاحب المال، وهو مستمر على مدار العام. وهذا هو وعاء الضريبة في الاقتصاد الوضعي؛ الذي يعتبر المصدر الأول لإيراد الدولة. أما رأس المال أو ثروة الشخص أو المؤسسة فهو: تقدير ما يملك من عقار أو منقول في لحظة معينة مضافاً إليه الاستحقاقات لدى الغير، أي المدينين له، ومخصوماً منه الالتزامات التي عليه قبل الغير، أي المديونية أو المتأخرات التي عليه، وبالتالي فهي في لحظة معينة. ورأس المال هو وعاء زكاة المال في الاقتصاد الإسلامي، وهو يعتبر المصدر الأول للإيرادات.


ومن الآيات الدالة على دور الزكاة في الحث على ممارسة النشاط الاقتصادي ما يلي:

يقول الله تبارك وتعالى:

    -   ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة: 103).

    -    ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 277).


ومن أهم المشاكل الاقتصادية التي للزكاة دور رئيس في حلها: مشكلة الفقر؛ من حيث أنها تنمي موارد الفقراء والمساكين، وكذلك مشكلة تكدس الثروات، ومشكلة التضخم؛ حيث تساعد الزكاة على زيادة قيمة الأموال، كما تعالج مشكلة الاكتناز؛ لأن للزكاة دور هام في محاربة كنز النقود وحبسها، وإخراج زكاة المال ينفي صفة كنز المال؛ في حالة حبسه عن أداء وظيفته[1]كما أن للزكاة دور اقتصادي رئيس في حل مشكلات البطالة، والكوارث والديون، والتفاوت الاقتصادي الفاحش.[2] 

وتوجد علاقة وطيدة بين المشكلات الاقتصادية؛ فمثلاً: لا يمكن تناول مشكلة الفقر دون تناول مشكلة البطالة؛ فزيادة التشغيل تعمل على محاربة الفقر، وتقلل التفاوت في توزيع الدخل والثروة. أي أن حل مشكلة الفقر يكون بحل مشكلة البطالة، كما يقرر الفقهاء بأن يُعطَى القادر على الكسب بحرفته من الزكاة؛ بالقدر الذي يمكنه من مواصلة الكسب. كما لا تُعطَى الزكاة للقادر – بالجهد أو المال – على الكسب


تحريم الربا يزيد من ممارسة النشاط الاقتصادي:

إن السوق الإسلامية من أسس المنهج الإسلامي الاقتصادي في التنمية، وهي تقوم على الجوانب القيمية، وأهمها قيم الأخوة. ويؤدي ذلك إلى القيمة العدل. وهي مسئولية الفرد والدولة. والتبادل بين الناس يكون في حدود العدل والقسط، ويجب أن يكون عن تراض بين البائعين والمشترين، وذلك في كافة المعاملات التجارية. وهذه السوق بعيدة عن أي صور من صور الاستغلال، أو أكل أموال الناس بالباطل. فهي سوق نظيفة من كل الممارسات الخاطئة.

والسوق الإسلامية خالية من "الربا".


يقول الله عز وجل:

- ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم: 39).


وكما سبق الإشارة؛ فإن الزكاة وسيلة رئيسة لنمو المال؛ في حين أن الربا هو محق.

وصدق الله العظيم؛ إذ يقول في محكم آياته:

- ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ (البقرة: 276).

 ويوجد سؤال: هل تجب الزكاة على القرض؟

والإجابة: إذا أقرضت مالاً، وهو عند مليء؛ فالزكاة عليك، وإن كان على معسر؛ فلا زكاة عليك.

      ومن صور الإعجاز الاقتصادي في اقتران تحريم الربا بفريضة الزكاة ما يلي:

- إن علماء الاقتصاد المعاصرين يرون أن التشغيل الكامل والتنمية لن يتحققا؛ إلا إذا كان سعر الفائدة صفراً. [3]

- يحجب الربا على المجتمع كل مشروع اقتصادي لا يصل عائده إلى معدل الفائدة، وبالتالي يحجب على المجتمع خيراً كثيراً. وعندما يحرم الإسلام الربا إنما يعطي أكبر حافز للاستثمار؛ حيث أن الربا عبء على المشروع...

 إن فريضة الزكاة تغنينا عن القروض الربوية؛ سواء بالنسبة للمنتج أو صاحب الحرفة الذي لايجد أدوات أو مستلزمات الإنتاج اللازمة، أو بالنسبة للمستهلك الفقير والمسكين ...  الذي لا يستطيع الضرب في الأرض لضعف أو عجز أو انتهاء الحرفة التي يعمل بها.. وغيرهم من مستحقي الزكاة؛ فإن أداء الزكاة يغنيهم عن أخذ قروض ربوية؛ أي سواء للفقراء والمساكين، أو أي مصرف آخر. 


"والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"

 

 



[1] أنظر: حسين حسين شحاتة: محاسبة الزكاة مفهوماً ونظاماً وتطبيقاً (القاهرة: دار التوزيع والنشر، ب. ت)، ص 60 – 68.

[2] أنظر: يوسف القرضاوي: دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية وشروط نجاحها (القاهرة: دار الشروق، 1422هـ = 2001م).

[3] أنظر: حسين حسين شحاتة: الإعجاز الاقتصادي في هدي الرسول  (القاهرة: دار النشر للجامعات، 1426هـ = 2005م)، ص 32.



هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات