القائمة الرئيسية

الصفحات

حقوق الملكية الفكرية في ضوء القرآن والسنة


 

حقوق الملكية الفكرية في ضوء القرآن والسنة

نتناول في هذا المقال موضوع الملكية الفكرية وحمايتها في ضوء القرآن الكريم والسنة المشرفة؛ ونظرة الاقتصاد الوضعي إلى الملكية الفكرية.

ربطت الشريعة الإسلامية قضية حماية حقوق الملكية الفكرية بالإيمان بالله تعالى، والعقاب الأخروي؛ حيث أن حقوق الملكية الفكرية تدخل ضمن الأمانات، وتحكيم الضمير الإنساني للمسلم بصفة عامة في كل أعماله.

 

أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية:


تشير الملكية الفكرية إلى إبداعات العقل؛ سواء اختراعات، أو حق المؤلف -مصنفات فنية، أو مصنفات أدبية -، أو علامات تجارية، وغيرها...  وتٌعد الملكية الفكرية محفّزاً حاسماً للابتكار والإبداع، وهما بدورهما مفتاحاً لتحقيق التنمية المستدامة.

ويوصف الإنتاج بالإبداع عندما تتوفر فيه إحدى صفتين[1]:

    -         الإحداث؛ بمعنى ظهور الإنتاج أو الأفكار إلى حيز الوجود؛ أمام الوعي الإنساني لأول مرة في لحظة معينة.

    -         عملية الصنع أو التكوين؛ عندما تتمثل الفكرة في وجود مادي جديد للشيء. إن خلق المنفعة يكون عن طريق العملية الإنتاجية، وهي ناتج عمل الجسم أو العقل؛ فالمُنتَج يكون سلعة أو خدمة أو فكرة...

ولكي يتحقق الإبداع لابد من عدم وجود عوائق لانطلاق الأفكار، وأن يكون غاية الإبداع هو السبق في حل مشكلات معينة؛ بأفكار تتسم بالجدية والحداثة؛ مع ضرورة عملية، وجدوى اقتصادية لهذا الفكر الجديد. 

وفي موضوع حقوق الابتكار والإبداع عرف الفقهاء "الحق" بأنه ما ثبت للشخص من ميزات ومُكنات، سواء كان الثابت شيئاً مالياً أو غير مالي. وحق الاختراع أو الابتكار هو اختصاص شرعي حاجز، يمنح صاحبه سلطة مباشرة على نتاجه المبتكر - أياً كان نوعه -، ويُمَكَّنَهُ من الاحتفاظ بأن يُنسب إليه هذا النَّتَاجِ لنفسهِ[2].

وحق الابتكار يشمل الحقوق الأدبية، والحقوق الصناعية والتجارية أو ما يسمى بالملكية الصناعية؛ كحق اختراع الآلة، أو مبتكر عنوان تجاري معين نال شهرة. كما عُرِف بحق الإنتاج العلمي. ويعتبر تسمية هذه الحقوق بحقوق الملكية الفكرية أفضل؛ للعديد من الأسباب، أهما أنها تشتمل على الحقوق المعنوية والمادية.

    وغالبية الفقهاء والنظم المعاصرة تعتبر أن حقوق الملكية الفكرية ضمن المال والأصول الرأسمالية، وهي تحتاج إلى حماية.

 

حماية حقوق الملكية الفكرية في القرآن والسنة:


        يقول الله عز وجل:

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29). 

- ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).


        ويُستنبط من هذه الآيات وغيرها من الآيات؛ ما يلي:

- إن حقوق الملكية الفكرية تدخل ضمن الأمانات، وتحكيم الضمير الإنساني للمسلم بصفة عامة في كل أعماله.  

- سرقة تلك الحقوق يدخل ضمن أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنها نِتاج جهد وعمل ذهني وبدني.

- إن الشريعة الإسلامية ربطت هذه القضية – حماية حقوق الملكية الفكرية – بالإيمان بالله تعالى، والعقاب الأخروي.


        ويقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

- "من حَمَلَ علينا السلاحَ فليس منا. ومن غَشَّنا فليس منا"[3].

- "...من غش فليس مني"[4].

- "...المُتَشَبِّع بِمَا لَمْ يُعْطَ، كلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ"[5]

        ويُستنبط من هذه الأحاديث ما يلي:

- التعدي على حقوق الملكية الفكرية يدخل ضمن الغش المحرم؛ الذي يتعارض مع الدين والخُلق.

- المتشبع الذي يحصل على فضيلة ليست حاصلة، وقيل المتشبع هو المتزين بما ليس عنده؛ فالادعاء بإنتاج علمي معين دون وجه حق يعتبر إثم عظيم.

 

نظرة الاقتصاد الوضعي إلى حماية الملكية الفكرية:


تعتبر الخصائص السلبية للبيئة المحيطة بالعملية الإنتاجية ضمن أهم العوامل المؤدية إلى التخلف الاقتصادي Economic Underdevelopment، ويقصد بالتخلف الاقتصادي بصفة عامة؛ الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي لمجتمع ما، ويطلق عليه حالة الفقر الاقتصادي النسبي، ويُعبر عنه عادة بالانخفاض النسبي في متوسط الدخل الفردي الحقيقي.[6]

ومن ضمن الخصائص السلبية للبيئة المحيطة بالعملية الإنتاجية: وجود أنظمة توزيع غير عادلة. والفجوة الثقافية؛ بسبب وجود قيم ومبادئ في المجتمع ككل لا تتمشى مع العصر، والقفزة الثقافية؛ بسبب وجود قيم وعلاقات في شتى مجالات الحياة مستوردة من مجتمعات متقدمة نسبياً؛ لا تتناسب مع ظروف الدول المتخلفة اقتصادياً.

ويؤكد ذلك؛ إن عولمة النظام الغربي لحماية حقوق الاختراع والملكية الفكرية في عالم يعاني من سيطرة بعض القوى والدول، تمثل هجوماً مباشراً بل واعتداء على الحقوق الاقتصادية للفقراء. وأصبحت براءات الاختراع تمثل رأس مال في السيطرة على الأسواق.

وبرغم من أن براءة الاختراع لابد أن تكفل مكافأة للإبداع واستعادة الأموال المستثمرة في البحث العلمي والتطوير، فإن الحماية لا يجب أن تكون أولوية على مصالح المستهلكين في هذا العالم الذي يتسم بعدم العدالة في التوزيع، وبعدم توازن في التنمية. 

وقد أدى التوسع في اتفاقية حقوق الملكية الفكرية ذات الصلة بالتجارة "التربس" Trade Related Intellectual Property Rights (TRIPs) في حماية حقوق المستثمرين إلى نتائج سلبية على اقتصاديات الدول الأقل نموا.


 وبمقارنة المنهج الإسلامي بالمناهج الوضعية في مجال حماية الملكية الفكرية؛ يتضح ما يلي: 


- إن المنهج الإسلامي في التنمية يهتم بالجوانب الإيمانية والأخلاقية للعاملين، وهو ما تفتقده النظم الوضعية.

- يركز المنهج الإسلامي على التنمية البشرية والتعليم والتدريب، وحماية حقوق العاملين، وتحفيزهم وتشجيعهم وتمكينهم.

- حقوق الملكية الفكرية تدخل ضمن حقوق الإنسان بصفة عامة، ويدخل التعدي عليها ضمن الغش والغرر والتدليس والكذب والسرقة والإضرار بالآخرين. وقد نهت الشريعة الإسلامية عن كل هذه الأمور، وتدخل ضمن الكبائر.[7]

- وتعد حقوق الملكية الفكرية ضمن الأموال بالمعنى الواسع، وتحتاج إلى حماية. وقد حرمت الشريعة الإسلامية أن ينسب أي فرد لنفسه ملكية إنتاج علمي بدون وجه حق، ويأخذ ذلك حكم من يتعدى على ملكية وأموال الآخرين. 

 

________________________________

[1] أنظر: علي السلمي: إدارة السلوك التنظيمي Managing Organizational Behavior (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2004م)، ص 739، 740.

[2] أنظر: ناصر بن محمد الغامدي: حماية الملكية الفكرية في الفقه الإسلامي والآثار الاقتصادية المترتبة عليها، دراسة منشورة على موقع: https://almoslim.net، تاريخ النشر: 17 ربيع الثاني 1438هـ.

[3] حديث أبي هريرة: مسلم برقم 101.

[4] من حديث أبي هريرة: رواه مسلم في صحيحه برقم 102.

[5] متفق عليه: من حديث أم المؤمنين عائشة: مسلم في صحيحه برقم 2129، والبخاري في صحيحه برقم 5219.

[6] عبد الحميد الغزالي: حول المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1409هـ = 1989م)، ص 21 – 32.

[7] أنظر في ذلك: قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت سنة 1405هـ، في مقال بعنوان: الملكية الفكرية في الإسلام، منشور على موقع إسلام ويب، تاريخ النشر: 30 جمادى الأول 1422هـ = 19- 8 - 2001م، على الرابط التالي:

https://www.islamweb.net/ar/fatwa/9797/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85


هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات