الإعجاز الاقتصادي في الوصايا والهبات
في ضوء القرآن والسنة
المال مال الله سبحانه وتعالى، ونحن مستخلفون فيه، وتعاليم الإسلام في المال؛ من حيث اكتسابه
وإنفاقه ووسائل تنميته وأساليب ملكيته؛ لا يتم فهما بشكل صحيح؛ إلا بواسطة التعرف على
نظرة الإسلام إلى الكون والحياة. وتحقيق المصلحة هو هدف نظرية مقاصد الشريعة
الغراء.
واستنبط الفقهاء
أن من مقاصد الشريعة التعاون والمواساة؛ لأن في ذلك مصلحة حاجية جليلة، كما أن
مفهوم "الخير" في ضوء القرآن والسنة هو أنه وسيلة من وسائل المقاصد
لإدراك تلك المصلحة.[1]
يقول
الله تبارك وتعالى:
- ﴿لَن
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن
شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92).
- ﴿وَأنفِقوا
في سَبيلِ اللهِ وَلا تُلقوُا بأيديِكم إلىَ التَهلُكةِ وَأحسِنوا َإِنَّ اللهَ يُحبُ
المُحسِنين﴾ (البقرة: 195).
ويقول رسول الله (صلى الله عليه
وسلم):
- "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت
عليها حَتَى ما تجعل في فم زوجتك"[2].
وتعني "النفقة" كل إنفاق في وجوه
الخير وفقاً للشرع الحكيم. والإنفاق في وجوه الخير يؤدي إلى تحقيق الفلاح والرواج
الاقتصادي وغنى الناس، ويعود إلى المنفق خير ذلك كله[3].
يقول الله تعالى:
- ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ
سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن
يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ (البقرة: 261).
- ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ
لَا تُظْلَمُون﴾ (البقرة: 272).
ويقول الله سبحانه وتعالى
في إنفاق الكفار:
- ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ
رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 117).
حيث شبه الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة حال ما ينفقه
الكفار في الدنيا - في ضياعه وذهابه - بحال زرع القوم الظالمين الذي اصابته ريح
فأهلكته.
إن الإعجاز الاقتصادي في ضوء القرآن الكريم والسنة المشرفة في الإنفاق في سبيل الله يكون بارتكازه على ابتغاء مرضات الله والإيمان وعمل الصالحات. ولذلك دور في علاج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، ويعتبر التصدي للفقر من أهم أولويات العمل الخيري عموماً.
إن الوقف والصدقات التطوعية والوصية والهبة؛ تسهم مع فريضة الزكاة في
تحرير الأموال العينية والنقدية من سيطرة أصحابها؛ حتى تتجه إلى تحويل جزء من
الأموال من الفئات الأكثر ادخاراً إلى الفئات الأكثر استهلاكاً؛ مما يؤدي إلى
زيادة النمو، ومع عدالة التوزيع تتحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ونركز في هذا المقال على الإعجاز الاقتصادي في
الوصايا والهبات في ضوء القرآن والسنة.
أولاً: الإعجاز الاقتصادي في الوصية في القرآن والسنة:
يقصد بالوصية المالية من منظور الشرع: أنها تبرع بحق
مادي أو منفعة مضافة ولو تقديراً لما بعد الموت، وهي تعتبر هبة تؤول إلى الموهب
(الموصي له) بعد موت الموصي من تركته قبل توزيعها.
ومن الأحكام الشرعية للوصية المالية: أنها جائزة بالكتاب
والسنة والإجماع، وكما في الوصايا المالية؛ فإنه يجوز الوصايا الفكرية والمعنوية،
ولا وصية لوارث، ولا تزيد الوصية عن الثلث، وأركان الوصية: الموصي، والموصي له،
والموصي به.
يقول الله عز وجل:
- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ
بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180).
- ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ
يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 11).
- ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن
بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12).
- ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12).
وفي السنة النبوية المطهرة؛ فإن رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) منع سعد بن أبي وقاص من الوصية بأكثر من الثلث.
قال رسول الله (صلى الله عليه
وسلم):
- "إن تدع أولادك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"[4].
- وعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قوله: "كَانَ
الْمَالُ لِلْوَلَدِ وكانتْ الْوصية لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخ اللَّه مِن ذلك مَا
أَحَب، فجعل للذكر مثْلَ حظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ
وَاحِد مِنْهُما السدس، وجعل لِلْمَرْأَة الثُّمُنَ وَالرُّبعَ، وللزوج الشَطرَ
والربع"[5].
- "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه"[6].
ويستنبط من الآيات والأحاديث السابقة ما يلي:
- أن الله عز وجل قدم الوصية على كل من الميراث والدين. مع العلم أن الوصية
مندوبة في أكثر أحوالها، وقضاء الدين واجب.
- ومن أوجه تحريم إنفاذ الوصية؛ إذا كانت في معصية: مثل النياحة بعد الموت،
وتكره الوصية في المال القليل؛ لما فيه من التضييق على الوارث.
ثانياً: الإعجاز الاقتصادي في الهبة في القرآن والسنة:
الهبة هي عبارة عن تمليك شيء بلا عوض لوجه المعطي ولثواب
الآخرة؛ فهي صدقة تطوعية، وحكمها الندب، وتعتبر من التصرفات المالية التي لها
فوائد جمة في تقوية صلة الرحم والقربى والمحبة بين الناس[7].
يقول
الله عز وجل:
- ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى
وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ
وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177).
ويقول رسول الله (صلى الله عليه
وسلم):
- "تهادوا تحابوا"[8].
وكان رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) يقبل الهدية، ويحث عليها؛ لزيادة المودة والرحمة بين المسلمين.
ومن القواعد التي تضبط الهبات طبقاً لأحكام الشريعة ما
يلي:
- أن تتوافر أربعة أركان، وهي: الواهب، والموهوب له، والشيء الموهوب،
وصيغة الهبة.
- أن تكون من جائز التصرف، وهو الحر والمكلف والرشيد.
- أن يكون الواهب مختاراً، فلا يجوز الإكراه.
- أن يكون الشيء الموهوب معلوماً.
- أن يكون الشيء الموهوب فيما يحل بيعه؛ فلا تصح الهبة في شيء مغتصب، أو في
منتج محرم؛ كالخمر.
- وأن يقبل الموهوب له الشيء الموهوب؛ لأن الهبة عقد تمليك.
- أن تكون الهبة حالة مُنجَزة، أي غير مؤقتة بزمن معين – مثلاً شهر أو سنة –
لأن الهبة عقد تمليك؛ فلا تصح أن تكون مؤقتة.
- أن تكون بدون عوض؛ لأنها تبرع محض.
أما الزكاة والإنفاق في وجوه الخير عموماً في الإسلام؛
فإنها أمر من الله سبحانه وتعالى اقترن بالصلاة في القرآن الكريم. وحث عليه رسول
الله (صلى الله عليه وسلم).
وخلاصة القول: أن هناك إنفاق في سبيل الله فوق الزكاة والصدقات التطوعية، ويكون في الوصايا، وفي الهبات. والغرض مساعدة الفقراء والمحتاجين، وزيادة الود والألفة بين الناس، وهناك وجوه في الوصايا يجب تجنبها، وهي بشروط، وكذلك الهبات. ويجب عموماً الإكثار من الإنفاق والأعمال الصالحات.
[1] أنظر: إبراهيم
البيومي غانم: تجديد الفصول في فقه مقاصد الشريعة (القاهرة: مفكرون الدولية للنشر
والتوزيع، 1440هـ = 2018م)، ص 65.
[2] متفق عليه
[3] أنظر: يوسف كمال محمد: فقه الاقتصاد الإسلامي - النشاط الخاص
(الكويت: دار القلم، 1408هـ = 1988م)، ص 112.
[4] رواه البخاري برقم 2742، ومسلم برقم 1628 في صحيحيهما.
[5] رواه البخاري.
[6] متفق عليه.
[7] حسين حسين شحاتة: الهبة والوصية في ضوء الشريعة الإسلامية (القاهرة: الأندلس الجديدة للنشر والتوزيع، 1436هـ = 2015م)، ص 9، 10.
[8] رواه البخاري برقم 594، والبيهقي برقم 12297.
[9] أنظر: يوسف القرضاوي: دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية وشروط نجاحها (القاهرة: دار الشروق، 1422هـ = 2001م)، ص 34، 35.
