القائمة الرئيسية

الصفحات


                                   مؤشرات الفساد

         إن النقطة الجوهرية في حقوق الإنسان يمكن تلخيصها في أنها عبارة عن حرية إرادة الإنسان وحرمة شئونه، وأن تتاح له الأوضاع التي تمكنه من أن يعمل إرادته وفق مشيئته، وأن يكون له حرم يحيط بكل شئونه، وأن يشمل هذا المجال الحيوي إعمال الإرادة، ويأمن فيه أي عدوان أو ظلم أو اقتحام. 


        وهذه الحقوق لازمة للإنسان لكي يحيا حياة صحيحة، وإقامة نظام اجتماعي رشيد، أي أن هذه الحقوق لازمة لكي يقوم التنظيم الجماعي على التماسك والترابط وليؤدي الوظيفة بفاعلية وكفاءة ويسر[1].

 

1- علاقة الفساد بحرية الإنسان:

    

          في حين جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م كوثيقة دولية تفرض سيطرتها على الدساتير والقوانين الوطنية التي تصدر في غالب الدول. ثم قامت الأمم المتحدة بتحويل مبادئ الإعلان إلى مواد تتضمنها معاهدة دولية ملزمة قانوناً للدول الأعضاء؛ بتطبيق هذه المبادئ. أي تحويل مبادئ حقوق الإنسان إلى أحكام قانونية ملزمة. وأعدت لذلك اتفاقيتين؛ تناولت الأولى الحقوق المدنية والسياسية، والثانية تعالج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.[2] نجد إن أول حق من حقوق الإنسان يؤكده الإسلام حق الاعتراف به كإنسان؛ لأنه عرضة لانتقاص كثير من حقوقه بسبب تحكم السلطات سواء سياسية أو اجتماعية أو دينية.[3]


          تتضمن الاتفاقية المدنية والسياسية حق كل كائن بشري في الحياة والحرية والأمن والحياة الخاصة، وحقه في المحاكمة العادلة وحمايته من العبودية ومن الاعتقال، وحقه كذلك في حرية الفكر والضمير والديانة والتعبير عن الرأي وحق التنقل والتجمع.


        ويقدم التاريخ القديم والمعاصر كثير من الأدلة والشواهد؛ التي تؤكد على أن عدم الاعتراف بآدمية الإنسان يعود إلى الفساد بأنواعه. ومن هذه الأنواع الفساد الأمني والاجتماعي؛ الذي يؤدي إلى إهدار كثير من حقوقه وحرياته الأساسية. لذلك؛ قدمت المجتمعات تضحيات كثيرة، إلى أن وصلت إلى الاعتراف بإنسانية الآدمي وأنه أهل للتمتع بالحقوق وممارستها وحمايتها. إن سيادة ثقافة الاستبداد وكبت الحريات هي أهم أسباب الفساد الأمني والاجتماعي، وجوهر حقوق الإنسان هي الحرية؛ حرية الإنسان بوصفه إنساناً، وتحريره من كل قيد يحد من اختياره الحر، أو تعوقه عن تحسين نوعية حياته وإعمار الأرض التي استخلفه الله فيها.

 

2- خطورة الفساد الأمني والاجتماعي:

        من أنواع الفساد؛ الفساد الأمني والاجتماعي؛ والأمن أساس كل النعم، والفساد الأمني يؤدي إلى الشعور بالخوف، يقول رسول الله : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"[4]


        والمجتمعات التي تفتقد الأمن والأمان تسود فيها أنواع كثيرة من الفساد. لذلك فإن الفساد الأمني يأتي في الأهمية بعد الفساد العقدي يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 11، 12).

        إن فقدان الامن والأمان في المجتمعات يؤدي إلى عدم الاستقرار في المنطقة التي نعيش فيها؛ ونتائجها تكون وخيمة على الأمن في المجتمع والسلب والنهب للمال العام، وفقدان للممتلكات العامة، والاضطرابات في الأمن؛ وبذلك تنتشر عدم الطمأنينة بين المواطنين وتتأثر حركة الأسواق والأعمال التجارية والصناعية؛ مما يؤدي إلى الركود الاقتصادي والانهيار والتفكك الاجتماعي.

 

3- مؤشرات الفساد الأمني والاجتماعي:[5]

        من أبرز مظاهر الفساد المنتشرة في الدول العربية -وهي متشابهة ومتداخلة-:

    - الرشوة: الحصول على أموال أو منافع من أجل تنفيذ عمل مخالف لأصول المهنة، وهي منتشرة     في كثير من الدول الغربية والعربية.


    - المحسوبية: أي تنفيذ أعمال لصالح فرد أو جهة ينتمي إليها الشخص: حزب أو عائلة أو منطقة.


    - الواسطة: أي التدخل لصالح فرد أو جماعة دون الالتزام بأصول العمل والكفاءة اللازمة.


    - نهب المال العام: وينقسم المال العام إلى نوعين[6]: أموال عامة مملوكة للدولة؛ بصفتها شخصاً  اعتبارياً أو معنوياً، وأموال عامة مملوكة لمجموع أفراد أو لجماعة؛ ويكون الانتفاع منها حسب   الحاجة، ويتولى إدارتها ولي الأمر أو مجموعة من الأفراد. ونهب الأموال العامة معناه الحصول   على هذه الأموال، والتصرف فيها دون وجه حق بشكل سري تحت أسماء مختلفة.


    - الابتزاز: أي الحصول على أموال من طرف معين في المجتمع مقابل تنفيذ مصالح مرتبطة       بوظيفة الشخص الفاسد.

        وغيرها من مظاهر الفساد...


        ويظل الفساد بكل أشكاله أحد معاول الهدم التي تواجه عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وإقامة العدل بمختلف صوره في المجتمع من القمة إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى القمة، يؤدي إلى إنهاء الظلم وأنواع الاستغلال في المجتمعات؛ ويكون ذلك من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة.


        لذلك فإن الفساد الأمني من أخطر أنواع الفساد في المجتمع؛ لأنه يتداخل مع الكثير من أشكال الفساد، وأن مظاهر الفساد كثيرة ومتداخلة ومتشعبة، وصوره واضحة وكثيرة، وهو في حاجة لإعادة العدل بمختلف صوره في المجتمع.





[1] أنظر: طارق البشري: اجتهادات فقهية في المسألة الإسلامية المعاصرة (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 1438هـ = 2017م)، ص 159 – 161.

[2] أنظر: وليد علي ماهر: حقوق الإنسان في الدساتير والقوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية (كلية الحقوق، جامعة حلوان، 2014م)، ص 28 – 43.

[3] إبراهيم البيومي غانم: العالمية هي خصوصية حقوق الإنسان في الإسلام، مقال منشور على موقع مجلة حراء https://hiragate.com العدد 19، تاريخ الإضافة: 10/12/2018.


[4] سنن الترمذي رقم 2346.

 [5]مولاي مصطفى البرجاوي: مقال بعنوان: ظاهرة الفساد: ما هيتها ومظاهرها وأشكالها، منشور على موقع الألوكة، https://www.alukah.net/culture/0/82504/#ixzz6rvbA0mpZ


[6] أنظر: حسين شحاتة: حرمة المال العام في ضوء الشريعة الإسلامية (القاهرة: دار النشر للجامعات، 1420هـ = 1999م)، ص 20، 21.


هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات