القائمة الرئيسية

الصفحات

                       

                                                

اجتنبوا الإسراف والتبذير
وأطعموا الجوعى

 

إعــــداد

 

دكتور / مجدي محمد مدني

دكتوراه الفلسفة في إدارة الأعمال

خبير استشاري في المجالات الإدارية والتجارية

يعتبر الاعتدال في الإنفاق من معالم الإعجاز الاقتصادي في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. كما يعتبر نظام الأولويات في الإنفاق من أساسيات المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية. وإحداث التنمية يكون من القاعدة، أي من الإنسان، وفي ذات الوقت تعمل من أجله كافة جوانب الحياة.

ولرفع كفاءة الأشخاص والدولة في مجال إنفاق الدخل؛ يتم خضوع الإنفاق إلى مجموعة من الضوابط؛ مثل: تحقيق إشباع حاجة حقيقية وليست وهمية، وتحقيق مصلحة، ويكون الإنفاق طبقاً للأولويات، ومنع الإنفاق في المجالات الثانوية على حساب المجالات الضرورية ذات الأولوية. كما أن الانفاق مقترن بالطيبات، وفي سبيل الله.

  

أولاً: ترتيب أولويات الإنفاق في القرآن والسنة:

إن فاعلية التنمية وتحقيقها لأهدافها، تتوقف على القدرة على إيجاد الدافع الملائم الذي يؤدي إلى توجيه سلوك الأفراد نحو تحقيق أكبر قدر ممكن من التنمية الشاملة. والمنهج الإسلامي في مجال الإنفاق يكون وفقاً للأولويات؛ حيث يتم استخدام المال في إطار نظام أولويات شديد الوضوح، ودقيق التحديد.

يقول الله عز وجل:

- ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: 3).

- ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274).

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172).

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة: 267). المراد بالإنفاق هنا الصدقة.

يستنبط من الآيات السابقة ما يلي:

- تأتي مرتبة الإنفاق مباشرة بعد الإيمان (العقيدة)، وإقام الصلاة.

-  الحض على الإنفاق في المنهج الإسلامي في كل الأوقات وعلى كل الأحوال.

- أمر الإسلام أن يكون الإنفاق في مجال الطيبات؛ التي تعود على الإنسان بالمنفعة.

- كما أن كسب المال لابد أن يكون من طريق مشروع؛ وهو أساس الإنفاق في الطيبات.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

- "يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ ﴿يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقالَ ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قالَ وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمُدُّ يَدَهُ إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُهُ حرامٌ ومشرَبُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغُذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك"[1].

- "إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا"[2].

- "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"[3].

ويستنبط من هذه الأحاديث الشريفة ما يلي:

- الضروريات هي التي أجملتها مقاصد الشريعة الغراء؛ من حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

- الحاجات الضرورية تشمل الحاجات المادية والمعنوية معاً؛ فهي لا تشمل الحاجات المادية فقط؛ مثل: الطعام والشراب والمأوى ووسائل الانتقال والتعليم والصحة والزواج، وإنما أيضاً تشمل الجانب الروحي والمعنوي؛ والتي يدل عليها الإخلاص في الدعاء إلى الله.

- كما أن الجانب المعنوي يشمل الكرامة الإنسانية والإحساس بإشاعة الحرية والعدل بين الناس.

- الإنفاق الصدقي يكون من طيبات الأموال التي تم اكتسابها، أي يجب على المؤمنين أن لا يعدلوا عن المال الحلال، ويقصدوا إلى الحرام؛ فيجعلوا الإنفاق منه. أي أن الزكاة وكل أنواع الصدقات؛ لابد أن تكون من الطيبات.

- بإشباع الحاجات المادية والمعنوية؛ يمكن للناس أن يتحملوا تبعية الاستخلاف وإعمار الأرض، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل واقعي وعملي.

     

ثانياً: تحريم الإسراف في القرآن والسنة:

إن زيادة الإنفاق الاستهلاكي عن الحد؛ يُعد من أهم أسباب انخفاض النمو الاقتصادي؛ حيث أن الإسراف يؤدي إلى انخفاض الادخار. وعلى مستوى الاقتصاد ككل فإن الدول المتخلفة اقتصاديا؛ وهي كما جاءت في القرآن؛ الدول التي تكفر بنعم الله؛ وهي التي تهدر مواردها التي حباها الله تعالى، ولا تستغلها استغلالاً رشيداً، ويؤدي ذلك إلى نتيجة: أن تلك الدول تمتلك جهازاً إنتاجياً غير مرن؛ في ظل إنتاجية منخفضة.

  يقول الله عز وجل:

- ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾  (آل عمران: 147).

- ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾  (الإسراء: 29).

- ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67).

- ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (آل عمران: 147).

  ويستنبط من هذه الآيات الكريمة ما يلي:

- الإسراف هو تجاوز الحد في المال. وقد حرم الإسلام الإسراف.

- إن تحقيق المصلحة المجتمعية يجب أن يكون دون إهدار للموارد.

- يؤدي الإسراف إلى مشكلات كثيرة على مستوى الفرد والدولة.

- إن الإنفاق العام للدولة سواء أكان نقدياً أو عينياً من أجل اشباع حاجات عامة؛ يجب أن يكون حقيقيا بعيداً عن الترفيات.

ويقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

- "كُلُوا، وتَصدَّقوا، والبَسُوا، ما لم يُخالِطْه إسرافٍ ولا مَخِيلَةٌ"[4].

- وفي الحديث: "أن رسول الله نَهى عن ثمنِ الكلب، ومَهرِ البَغي، وحُلوانِ الكاهن"[5].

- "لا تزولُ قَدَما عبد يوم القيامةِ حتى يُسأل عن عمرِه فيما أفناه، وعن عِلمِه ماذا فعل، وعن مالهِ من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جِسمِه فيم أبلاه"[6].

  ويستنبط من هذه الأحاديث الشريفة ما يلي:

- الإنفاق يكون في الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وتبدأ بالطعام وهو من الضروريات، وكذلك الملبس.

- إعطاء أولوية للإنفاق الصدقي؛ والذي يعد أيضاً من الضروريات؛ حتى لا ينسى المسلم في إنفاقه الفقير والمحتاج، ومن أخلاق المسلم في إنفاقه كذلك؛ أن يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة.

- كما أن الشح والتقتير أيضاً له نتائج سلبية؛ فالإسلام دين يعمل على إيجاد التوازن في الانفاق بين الإسراف من ناحية، والشح والتقتير من ناحية أخرى.

- يؤدي زيادة الاستهلاك الترفي - وهو محرم في الإسلام - إلى نتائج سلبية؛ فعندما يزيد الإنفاق لحد الإسراف ينخفض الادخار والاستثمار، وتزيد البطالة، ويقل الدخل الحقيقي، وينخفض النمو، وينخفض مستوى المعيشة.

- كما يؤدي زيادة الانفاق عن الحد إلى زيادة الواردات، وزيادة انخفاض قيمة العملة – بفرض ثبات العوامل الأخرى على حالها –، وبالتالي ينخفض الادخار والاستثمار، ويؤدي ذلك إلى مزيد من انخفاض الإنتاجية، وضعف مرونة الجهاز الإنتاجي.

 

ثالثاً: تحريم التبذير في القرآن والسنة:

 يعتبر التبذير أشد خطورة من الإسراف؛ لأن الإسراف هو: صرف الشيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي، أما التبذير فإنه: صرف الشيء فيما لا ينبغي.

يقول الله عز وجل:

- ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (الإسراء: 27،26).

- ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ (طه:81).

- ﴿فخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ  فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ (القصص: 79 – 81).

ويستنبط من هذه الآيات الكريمة ما يلي:

- تحريم الإنفاق الترفي الذي يخرج عن دائرة المصلحة، وقد ينحرف إلى دائرة التبذير.

- الإنفاق يكون مقيداً بنوعية المنتجات.

- من واجب الدولة التدخل للحد من الإنفاق الاستفزازي؛ الذي يزرع الحقد في الصدور.

        وعليه؛ فإن التبذير أشد خطورة من الإسراف؛ لأنه يرتبط بنوعية المنتجات؛ ويعتبر الإنفاق الصدقي من العوامل التي تجعل الإنفاق يخرج عن دائرة التبذير، كما يعتبر الكبر والتفاخر في الإنفاق من الأمور التي تنحرف بالإنسان إلى دائرة التبذير، وهي محرمة في الإسلام؛ فكما أنه لها نتائج اقتصادية خطيرة؛ فإنها كذلك تزرع الحقد في الصدور وتؤدي إلى نتائج اجتماعية سلبية.

        ولا شك أن الإنفاق وفقاً لمبدأ ترتيب الأولويات، وكذلك منع الإسراف يقي المرء من الوقوع في التبذير؛ حيث يوجد ارتباط وثيق بينهم.

وتوجد صور تحيز مختلفة تنطوي عليها النظرية الاقتصادية الوضعية في الاستهلاك؛ وذلك فيما يلي[7]:

1- تحديد مفهوم الاستهلاك.

2- تحديد هدف المستهلك.

3- العوامل المحددة لسلوك المستهلك.

4- موضوع إمكانية نجاح المستهلك في تحقيق هدفه.

ولقد حدثت بعض التطورات لتصحيح النظرية على المستويين النظري والتطبيقي. فقد أدخل "جون مينارد كينز" على نظريته العامة في التوظيف عناصر مثل الميل للاستهلاك والميل للاستثمار والميل للادخار. وجميعها تخضع لعوامل نفسية.


ونوجه التساؤلات الآتية إلى كل إنسان عربي أو مسلم وغير مسلم :

`         هل تستشعر شهية الطعام الذي فيه إسراف وأخوك يموتُ جوعاً ومرضاً .

`         هل تستشعر أنك آمن في سربك وأخوك يعيش ليل نهار تحت رعب الدبابات والمدافع.

`         هل تستشعر بهجة حفلات أعياد الميلاد والرقص والغناء وأختك تبكي حزناً .

`         هل أنت رشيد في تصرفك عندما تسرف وتبذر وأخوك لا يجد الضروريات.

uــ نــــــــداء  :

c         ألم تؤمنوا بقول الله تبارك وتعالى: }إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{ (الحجرات)

c        ألم تؤمنوا بقول الرسول (r): "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" .

                                             والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.

                            ___________________________

[1] حديث أبي هريرة: ورد في جامع الترمذي برقم 2989 (حديث حسن).

[2] رواه البخاري في صحيحه برقم 56.

[3] من حديث مروان بن معاوية عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي عن أبيه وكانت له صحبة: ورد في جامع الترمذي برقم 2346.

[4] ابن ماجه برقم 3605

[5] حديث أبي مسعود الأنصاري: رواه البخاري في صحيحه بأرقام: 2237، و 2282، و 5346، و 5761.

[6] حديث أبي بَرَزة الأسلمي: ورد في جامع الترمذي برقم 2417.

[7] أنظر: جلال أمين: فلسفة علم الاقتصاد: بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد (القاهرة: دار الشروق، ط 5، 2019م)، ص 107 - 109.


       


هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات