بسم الله الرحمن الرحيم
القيم الأخلاقية في التسويق الصحي والدوائي في ضوء الشريعة الإسلامية
إعداد
مجدي محمد مدني
دكتوراه الفلسفة في إدارة الأعمال
ماجستير في
إدارة الأعمال
بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة
تمهيد:
إن
تأمين الاحتياجات من العلاج والدواء من موجبات الحياة واستقرارها على مستوى الفرد
والمجتمع والأمة.
وتوجد
ضوابط إسلامية من مصادر الشريعة الغراء في مجالات التشخيص الطبي، والعلاج، وتسويق
الأدوية، ومن واجبات الإنسان سواء أكان طبيباً، أو مسوقاً، أو عميلاً أو مستهلكاً نهائياً (المريض)
الالتزام بهذه الضوابط كي تكون أعماله متوافقة مع الشريعة، وامتثالاً وطاعة لرسول
الله صلى الله عليه وسلم.
إن
زيادة المنافع لكل من: الطبيب، والمسوق، والمريض؛ تدخل ضمن مقاصد الشريعة
الإسلامية؛ وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
ويعتبر
الطبيب هو العميل الجوهري لشركات الأدوية –في حالة الأمراض المزمنة والحادة-، وفي
ذات الوقت المعالج، وصاحب قرار شراء الدواء. ونجاح أي استراتيجية في مجال الخدمات
الصحية يكون على أساس ميزة النفقات وخفض الأسعار، وزيادة القيمة، أو الخلط بينهم
في تصميم استراتيجية الخدمة الصحية أو العلاج، وكذلك في تسويق الدواء.
إن
الضوابط الشرعية تقيم أواصر للعلاقة بين أنشطة الخدمات الصحية وأنشطة التسويق
الدوائي من ناحية، وبين القيم والأخلاق من ناحية أخرى. وفي ظل تلك الضوابط؛ لابد
أن تتفق المنفعة مع القيم الأخلاقية؛ وخاصة خلق الرحمة، وخلق الأمانة. ويكون ذلك أكثر الزاما في حالات الكوارث والأزمات
الاقتصادية؛ مما يؤدي إلى تحقيق قيمة عالية لأفراد المجتمع، وللأمة ككل.
أولاً: تحقيق
مبدأ الرشادة:
إن
عنصر الكدح، والرشادة؛ في أهمية سعي الفرد وتحقيق الربح؛ هام لكل من: الطبيب،
والمسوق.
والالتزام
بالضوابط الشرعية يؤدي إلى تحقيق التوازن بين الاشباع المادي والاشباع الروحي. أي
بين متطلبات العمل للدنيا والعمل للأخرة.
يقول
الله عز وجل:
-
"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ
الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (القصص: 77).
-
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل: 90).
ثانياً: العدالة
والأمان:
إن
مبدأ تحقيق الضروريات؛ من حيث توفر خدمة صحية لكل الأفراد؛ بدون اعتبار للمركز
المالي لأي فرد؛ هي واجب على الدولة. ومفهوم الأمان أي أمان توفير الرعاية الطبية؛ حيث يوجد فرق بين الأمان والأمانة، والمقصود هنا الأمان؛ أي ضمان توفير رعاية
طبية، وضمان إتاحة المنتج الدوائي.
ومفهوم القيمة هي علاقة بين المنافع والنفقات؛ أي أنه مفهوم نسبي. ولابد من الأخذ في الاعتبار النفقات والمنافع الاجتماعية؛ والتي يكون للدولة دور رئيس في توفيرها لأفراد المجتمع. وحينما يكون المقصود بالنفقات والمنافع من وجهة نظر المجتمع ككل؛ يسمى حساب "النفقات والمنافع الاجتماعية" (Social Cost/Benefit). ويجب أن تتحمل الدولة المسئولية؛ التي على عاتقها في توفير العلاج والدواء؛ وهي من الضروريات؛ كحد أدنى لتوفير متطلبات الحياة الكريمة؛ ودون النظر إلى المكسب والخسارة؛ على النحو الذي ذكره الحديث الكريم: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته" (رواه البخاري).
وتتحقق زيادة المنافع؛ كالآتي:
-
مستوى عالي من الجودة.
-
السعر المناسب. لا يشترط أن يكون هو السعر الأرخص، ولكنه
السعر الذي يعظم القيمة.
- مستوى عالي من الأمان.
- توفر الخدمة العلاجية باستمرار؛ ولكل فرد في المجتمع.
- وجود مخزون من المنتج
الدوائي يكفي طلب المستهلكين.
- توضيح المعلومات الصحيحة عن المرض.
- توضيح البيانات والمعلومات اللازمة في التبيين، وفي
النشرة الداخلية (في حالة المنتج الدوائي).
إن
أهم الصعوبات؛ التي تعترض تحقيق القيمة عدم الالتزام بالضوابط الشرعية؛ من قبل
جميع الأطراف –الطبيب والمستشفى والمسوق-، والسعي إلى زيادة القيمة
ومراعاة البعد الاجتماعي؛ يقع على عاتق الدولة؛ بحيث تقوم المستشفيات العامة بتقديم
خدمات مقبولة، وتعالج غير القادرين؛ حيث أن المستهلك النهائي -أو المريض- هو الطرف
الأضعف في منظومة العلاج والخدمة الصحية وتوفير الدواء.
ثالثاً: الرحمة
ومكارم الأخلاق:
إن
جوهر الرحمة هو العطف والشفقة، ومفهوم مكارم الأخلاق في المجال الطبي؛ أساس
يجب أن يتم على الوجه الصحيح؛ من حيث التربية والتعليم والتدريب...
ولها شق معنوي، وشق مادي.
ولا
شك أن الأمانة العلمية لا تتعارض مع طموحات الطبيب ورغبته في تحقيق عائد مادي (أو
ربح) من ممارسة المهنة؛ لأن موضوع السعر أو النفقة التي سيتحملها المستهلك النهائي
أو العميل أو المريض؛ لابد أن يكون بالمقارنة بالفوائد أو المنفعة؛ التي ستعود من
الخدمة الصحية أو المستحضر الدوائي.
واستخدام التقنيات المعاصرة والنظم الآلية في كل من: العلاج، والتسويق الدوائي؛ يؤدي إلى زيادة المنافع لكل من المريض والطبيب والمسوق.
والسؤال الهام هو:
لماذا تعتبر القيم الأخلاقية ضابط هام لأنشطة: تقديم
الخدمات الصحية، والتسويق الدوائي؟
والإجابة هي:
إن
العقيدة في الإسلام تعتبر هي أصل الأصول، وتتفرع منها كل الأمور الأخرى -قانونية
وأخلاقية-، وما يهمنا هنا الجانب القيمي الأخلاقي؛ لأن مكارم الأخلاق توجه أساساً
إلى الفرد، وأحكامها تراعي التمايز بين الأفراد؛ فهي ناصحة أكثر منها آمرة؛ وهو ما
يفرق القيم الأخلاقية عن القانونية؛ حيث أن الأخلاق تضع في الاعتبار نوايا الناس
ودوافعهم الباطنية، ولا تكتفي بالظاهر فقط من السلوك –مثل القانون-، ولقد حدد رسول
الله ﷺ الغاية الأولى من بعثته في قوله:
-
"بُعثتُ لَأتمم حُسنُ الأخلاقِ" (مالك).
وأهم
القواعد الأخلاقية التي يجب أن يتصف بها أطراف النشاط الطبي والتسويقي الدوائي:
1- الأمانة
العلمية: وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: "لا إيمان لمن لا
أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" (رواه أحمد). والأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، فهي ترمز إلى معان كثيرة،
ومناطها جميعاً شعور المرء بمسؤوليته في كل أمر يوكل إليه؛ وأنه مسؤول أمام الله
سبحانه وتعالى على النحو الذي ذكره الحديث الكريم: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته"
(رواه البخاري).
وتلعب الأمانة
العلمية للطبيب دوراً هاماً في تحقيق المنفعة للمستهلك (المريض)، مثل:
-
إحالة المريض لطبيب مختص وأكثر كفاءة.
-
أن يكون علاج المريض عن طريق
إجراء الفحوص الدقيقة.
-
أن يبني تشخيصه على بيانات
مؤكدة.
-
أن يوصف أفضل الأدوية لحالة
المريض؛ من حيث القيمة التي ستعود عليه.
2- من واجبات الطبيب وصفاته أيضاً التي يجب أن يتخلق بها؛ الآتي: الرحمة - الإخلاص
– الصدق -الوفاء - الحلم - سلامة الصدر من الأحقاد – التواضع.. كما يعتبر الصبر من
أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الطبيب؛ فالصبر أعلى مراتب الإيمان؛ ويكون الصبر
على قلة المال خاصة في بداية حياته المهنية تحت وطأة مصاريف مهنية وحياتية مرهقة،
بحيث لا يغش مريضه ولا يجور على الفقير.
يقول الله تعالى:
-
"وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"
(آل عمرن: 186).
ويقول
الرسول ﷺ:
-
"الصبر ضياء" (رواه مسلم)
3- البيع الشخصي Personal Selling أهم وسيلة في ترويج الأدوية؛ خاصة في ظل غياب المعلومات الصحيحة عن الدواء؛ حيث تتمثل المشكلة في اعتماد بعض الأطباء على الإنترنت أساساً في الحصول على المعلومات؛ رغم أنها قد تكون غير صحيحة، وهنا يتجلى دور المندوب الطبي. ولابد
من ميثاق شرف لممارسة المهنة؛ خاصة في مجال الترويج. وأهم
الصفات التي يجب أن يتحلى بها مندوب المبيعات الطبي: الصدق - الأمانة - أدب
الحديث -الحلم – القصد والعفاف – النظافة والتجميل والصحة – الحياء – الصبر وقوة
التحمل – العلم والعقل – إدارة الوقت.
4- في مجال
تدريب المندوب الطبي على مهارات البيع والمعرفة الخاصة بالمستحضر، فإن الدراسات
أثبتت أن مندوبي المبيعات المميزين غالباً ما يكونوا اكتسبوا خبرات في دورات
تدريبية لا تتعلق بمهارات البيع فقط؛ وإنما تمتد لتشمل مبادئ إدارة الأعمال
والتمويل والتسويق، بحيث يصبح لدى المندوب الطبي معرفة شاملة بالمتغيرات الخارجية
التي تتعلق بالبيئة، والمتغيرات الداخلية التي تتعلق بالشركة التي يعمل بها.[1]، بشرط التركيز على الجوانب المعنوية والأخلاقية. ومن ذلك يجب ذكر الآثار الجانبية للدواء بكل صراحة، وعدم المبالغة في خصائص الدواء...
والخلاصة، أن كل طرف من أطراف الخدمة الصحية والدوائية –الطبيب والمسوق والصيدلاني-؛ سواء في مجال التشخيص، أو العلاج، أو التسويق، أو التوزيع بصرف النظر عن عقيدته؛ يجب أن يحقق الرضا على أسس من القيم والأخلاق والرحمة بالآخرين، ولكن رضا الفرد الملتزم بشرع الله أعمق من ذلك لعلمه أنه ما دام ذو نية صالحة في عمله سواء أكان طبيباً أو مسوقاً أو مندوب مبيعات لشركة أدوية أو موزعاً، فإن عمله يصبح عبادة، وكما أنه يأخذ ثواب الدنيا، فإنه يثاب في الآخرة.
أي أهمية الضوابط الإسلامية والقيم الأخلاقية في مجال العلاج، وتسويق
الأدوية. ويجب أن تكون أنشطة التسويق على أسس علمية وأخلاقية. إن زيادة القيمة لكل
من الطبيب والمسوق والمريض مرتبط بزيادة المنافع.
إن للإسلام قواعد تنبني على القيم المعنوية التي تتفرع من العقيدة الإسلامية، حيث
لها دور كبير في ضبط الأنشطة العلاجية والتسويقية، وللقيم الأخلاقية
دور كبير في ضبط سلوك الفرد في أنشطة التشخيص والعلاج والتسويق، وأن مفهوم المنفعة يجب أن يكون متعلقاً بضوابط شرعية إسلامية، ويجب
التركيز على الجانب الاجتماعي.
إن الضوابط الإسلامية تعمل على تقليل التحيزات في حساب المنفعة والقيمة؛ مما يؤدي إلى زيادة القيمة لكل من: المريض، والطبيب، والمسوق.
"والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
[1] محمد إبراهيم عبيدات، جميل
سمير دبابنة، التسويق الصحي والدوائي (عمان: دار وائل للنشر، 2006م)، ص 217.
