القائمة الرئيسية

الصفحات

 

أبعاد مشكلة ضعف إنتاجية العمل


      يتعين عند تناول أي مشكلة اقتصادية الإشارة إلى أمرين مهمين، لهما تأثيرهما القوي على فهم الواقع. الأمر الأول: يوجد بين المشاكل الاقتصادية عموماً علاقات متبادلة؛ بحيث أن علاج مشكلة معينه قد يساهم في علاج مشكلة أخرى مساهمة جزئية. الأمر الثاني: إن الإسلام ليس مسئولاً عن مشاكل نجمت بسبب تطبيق النظم الاقتصادية الوضعية، وبسبب عدم تطبيق المنهج الإسلامي في التنمية، ومع ذلك فإن هذا المنهج يقدم المعالجة المرحلية، وفي ظل تطبيقه تطبيقاً شاملاً لا يكون وجود لهذه المشاكل، وإن وجد بعضها سيكون لمرحلة مؤقتة وسيكون العلاج ميسراً.

    ونتناول في هذه المقال مشكلة انخفاض إنتاجية العمل؛ ابعادها وعلاجها في المنهج الإسلامي.

   نركز في هذا الموضوع على محورين أساسيين:

♦ المحور الأول: إنتاجية عناصر الإنتاج:

1- الأسباب المؤدية إلى زيادة الناتج القومي:

   يؤدي انخفاض الإنتاجية إلى زيادة الأسعار وانخفاض الصادرات وزيادة الواردات، وبالتالي زيادة العجز التجاري، وتدهور في ميزان المدفوعات، وزيادة الطلب على القروض الأجنبية في المدى الطويل، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وانخفاض معدلات الادخار، وانخفاض معدلات الاستثمار، وشيوع عدم الثقة.

     ويمكن القول أنه لا يمكن التأثير في الناتج القومي أو العمالة تأثيراً إيجابياً أو سلبياً، إلا عن طريق التأثير في نفقة الإنتاج، أو في أحد عناصر الطلب[1]. ونفقة الإنتاج تتوقف على كمية ما يحوزه المجتمع من عوامل الإنتاج (الموارد الطبيعية، رأس المال، العمل، كفاءة الإدارة الاقتصادية)، وعلى مستوى الإنتاجية لكل من هذه العوامل.

   أما الطلب فهو إما استهلاك خاص، أو استهلاك حكومي، أو استثمار، أو الطلب على الصادرات؛ ولذلك يعتبر الاستيراد تسرباً من إجمالي الطلب. ويمكن القول أن الطلب الكلي = الاستهلاك الخاص + الاستهلاك الحكومي + الاستثمار + الصادرات – الواردات. وهذه هي عناصر الطلب. أي أن زيادة الناتج القومي يتوقف على ما تحوزه كل دولة من موارد طبيعية، أو زيادة كمية رأس المال والعمل، أو زيادة كفاءة الإدارة الاقتصادية، أو زيادة إنتاجية هذه العوامل، أو زيادة الطلب الوطني والأجنبي، أو على بعض تلك العوامل أو عليها مجتمعة. والحقيقة أن جانب العرض (أو النفقات) يعتبر العامل الحاسم في زيادة الإنتاج والعمالة أو تخفيضهما، ويطلق عليه اسم "اقتصاديات العرض" (Supply-side Economics).

2- اقتصاديات السوق وتأثيرها على الإنتاجية:

   وعن دور الدولة في ظل اقتصاديات السوق وتأثيرها على الإنتاجية، فإن كفاءة الإدارة الاقتصادية تلعب الدور الرئيس؛ ويتضح ذلك مما يلي:

-  تؤدي عملية الخصخصة وسياسة تجميد القطاع العام إلى أن يتم بيعه إلى القطاع الخاص إلى تعطيل طاقاته الإنتاجية وتخلف إنتاجيته؛ بسبب توقف استثمارات القطاع العام وتوقف تحديثه وتوسيعه، وبالتالي عدم قدرته على تحقيق فائض، وزيادة خسارة الكثير من وحداته. وفي مثل هذه الحالات فإن المبادرة بالخصخصة وتحميل القطاع الخاص مسئولية التطوير والتحديث تكون هي الأجدر بالاعتبار؛ بدلاً من ترك بعض وحدات القطاع العام لتتدهور اقتصادياتها دون خصخصتها.[2]

 - أيضاً نجد نشاط الشركات متعددة الجنسيات؛ حيث أصبح من الصعب أن يعرف مصدر إنتاج سلعة ما، ويمكن لشركة عملاقة أن تقوم بإغلاق مصنعها في دولة لكي تفتح مصنعاً بديلاً في دولة أخرى، إذا رأت أن مستوى الأجور أو معدلات الضرائب في دولة أنسب لها من دولة أخرى، وزادت معدلات البطالة في بعض الدول لهذا السبب. وبالتالي فإن تحول النظرية الاقتصادية مرة أخرى إلى العرض (أي أن النفقات هي العامل الحاسم في زيادة الإنتاج والعمالة) بدلاً من الطلب له علاقة بهذه الشركات العملاقة والتمكين لها على حساب الإنتاجية الوطنية.

3- إنتاجية عنصر العمل:

    وفي جانب العرض (أو النفقات)؛ نركز على إنتاجية عنصر العمل؛ كما يلي:

- تميزت العقود الأخيرة بالاهتمام بعنصر العمل؛ باعتباره من أهم عناصر الإنتاج، ولا يمكن لبقية العناصر أن تُستَغل بدون العنصر البشري. والإنتاجية Productivity هي مقياس للاستخدام الفعال للموارد، وعادة يعبر عنها بنسبة المخرجات إلى المدخلات. وتعرف إنتاجية العمل Labor productivity بأنها وحدات المُنتَج أو القيمة المضافة أو قيمة الإنتاج بالجنيه (أو أي وحدة نقد أخرى) لكل ساعة عمل. وتهتم النظم العالمية بالتعليم والتدريب للعنصر البشري لزيادة إنتاجيته وتحسين جودة المنتج. كما تهتم بتحسين أحوال العمالة حتى تقوى على الإنتاج وتبدع فيه؛ مما يؤدي إلى ارتفاع الإنتاجية والنمو وتحقيق التنمية الشاملة.

 

المحور الثاني: المنهج الإسلامي في رفع إنتاجية العمل:

 - العمل هو العنصر الأول في عمارة الأرض التي استخلف الله فيها الإنسان، وهو وسيلة التملك ووسيلة التنمية أو الإعمار، سواء عمل الجسم أو الفكر، وتنمية الثروة تكون نتيجة العمل. واستخدم القرآن الكريم مصطلح الإعمار والإصلاح والتمكين والعمران؛ كدلالة على زيادة الإنتاج و التنمية. قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود: 61). وعكسها الإفساد في الأرض، ولم يستخدم القرآن الكريم مصطلح التخلف؛ وهو عكس التنمية، لأنه كما هو معروف فإن مصطلح التخلف الاقتصادي يحمل دلالات تحيز تجاه نموذج بشري معين، أما مصطلح الإفساد في الأرض فهو إزالة ما في الأموال من صلاحية ونفع، واستخدام الفساد كمصطلح يعني سوء استخدام الموارد.

 - في مجال إدارة العنصر البشري في ظل الإسلام يجب على العامل التحلي بالقيم الأخلاقية التي يكتمل بها إيمان المسلم؛ وهي: الصدق – الوفاء - الأمانة – الإخلاص – القوة – التكاتف والعمل في جماعة – إعمال العقل واستثمار العلم – إدارة الوقت، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 79)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7-8).

- وكما أن العمل في الإسلام مرتبط بالقيم الإيمانية والأخلاقية، فإن تحسين مستوى معيشة العامل هدف للنظام الاقتصادي الإسلامي. فهو قيمة اجتماعية واقتصاديه أساسية. ويوفر المنهج الإسلامي المنطلقات الصحيحة للممارسات التي تهدف إلى تنسيق جهود الموارد البشرية وتوجيهها وإرشادها. يقول رسول الله ﷺ: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (متفق عليه).  

   وبتطبيق المنهج الإسلامي في التنمية، يمكن معالجة مشكلات العمل والعمال، والذي يرتكز على ما يلي[3]:

(1) الاهتمام بالإنسان العامل، اختياراً وإعداداً وتدريباً وتطويراً، وضرورة بنائه إيمانياً وخلقياً وسلوكياً وفنياً.

(2) الحفز والتشجيع، والقيادة والتوجيه، والمساندة والرعاية..

(3) التقويم العادل والموضوعي للأداء.

(4) العمل على حل قضايا العمل وانخفاض الإنتاجية بالتعاون المشترك بين الدول الإسلامية.

    ويكون ذلك بالأساليب الآتية[4]:

(1) نشر الوعي الإسلامي بين فئات العاملين وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم.

(2) تطهير القوانين والنظم الخاصة بالعمل والعمال والأجور من كل ما يسبب الظلم والقهر.

(3) الاهتمام برفع الكفاءات الفنية ومحاولة تنميتها بالأساليب المعاصرة.

(4) استنباط أساليب الحوافز التي تشجع العاملين على زيادة جهودهم والتي تراعى تحقيق العدالة بينهم.

      إن موضوع حل قضايا العمل في الدول الإسلامية؛ يجب أن يكون هدفاَ؛ خاصة أن لديها طاقة بشرية هائلة إلى جانب تمتعها بالقوة السياسية والاقتصادية.

        وفي الختام أذكر القاريء، بقول الله عز وجل:

    ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 64)



[1] أنظر: جلال أمين: فلسفة علم الاقتصاد (القاهرة: دار الشروق، ط 5 ، 2019م)، ص170 – 180.

[2] أنظر: مصطفى السعيد: الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة (القاهرة: دار الشروق، 1423هـ = 2002م)، ص49، 50.

[3] أنظر: علي السلمي: إدارة السلوك التنظيمي (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2004م)، ص 726 – 729.

[4] حسين حسين شحاتة: البرنامج الاقتصادي الإسلامي في معاجلة مشاكل مصر الاقتصادية، سلسلة بحوث ومقالات في الفكر الاقتصادي الإسلامي (القاهرة: خاص، ب. ت).

هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات