حول المنهج الإسلامي في العلاقة بين إدارة الإنتاج التسويق
إن خلق المنفعة يكون عن طريق العملية الإنتاجية، والمُنتَج ذات المنفعة للإنسان لابد أن يكون مملوكاً له، وتنشأ الدورة الاقتصادية بطلب المُنتَج الناشئ عن حاجة. وتنقسم الحاجات إلى حاجات شعورية؛ وهي الحاجات الناشئة عن الإحساس بنقص شيء مادي (سلعة أو خدمة) مثل الحاجة إلى الطعام والانتقال، وحاجات لا شعورية؛ مثل الحاجة إلى الأمن والطمأنينة.
يقول الله تعالى:
- ﴿ِلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ
*إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ
*فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ
مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 1 – 4).
ويقول رسول الله ﷺ:
- "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي
جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"[1].
إن الله وحده سبحانه وتعالى هو الذي يطعم الناس من الجوع،
وعبر رسول الله ﷺ عن الطعام بالقوت. كما أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يؤمن
الناس من الخوف؛ فالأمن الغذائي والأمن المعنوي هما أساس الحياة.
أولاً: القيمة والتسويق:
في مجال التسويق؛ فإن العميل الجوهري لأنشطة الإنتاج هو
صاحب قرار الشراء (المستهلك النهائي أو العميل). ويتم عرض المنتجات من قبل
المُنتِج (تكلفة الإنتاج)، ثم تسعير المنتج، والترويج له، وتوزيعه. وتوضح بعض الدراسات أن النجاح لأي استراتيجية
يكون على أساس مزايا النفقات وخفض الأسعار وجودة المنتج، أو الخلط بينهم في تصميم
استراتيجية التسويق.
وتوجد علاقة كبيرة بين عناصر المزيج التسويقي؛ فمثلاً
هناك علاقة بين عنصري التوزيع والترويج؛ حيث يلزم لعملية الاتصال بالعميل أو
المستهلك النهائي، أن يكون المنتج متوافراً، مما يزيد من المنفعة. وعلى المستوى
التنظيمي يوجد ارتباط كبير بين ادارتي الإنتاج والتسويق.
والجدير بالذكر؛ إن علم الاقتصاد لا يعتبر من قبيل
الإنتاج إلا الإنتاج الذي يحدث بغرض البيع، وبالتالي لا يدرج أي عمل إنتاجي ضمن
مفهوم الإنتاج إلا الذي يجرى بيعه في الأسواق. فمثلاً المُنشِد الذي ينشد أغنية في
مكان بغرض الربح وتباع تذاكره في الأسواق يعتبر إنشاده إنتاجاً، بينما يعتبر إنشاد
شخص آخر وسط مجموعة من الأصدقاء في بيت أحدهم، لمجرد الترفيه دون أي تبادل للنقود،
عملاً "استهلاكياً"، مع أن طبيعة العملية واحدة، والمتعة أو المنفعة
التي يحققها أحدهما لا تختلف عن المتعة أو المنفعة التي يحققها الآخر[2].
وتوجد ضوابط شرعية في مجال التسويق؛ حيث تقيم الشريعة
الإسلامية أواصر للعلاقة بين أنشطة التسويق - خاصة الترويج - وبين نظام القيم
والأخلاق. وفي ظل تلك الضوابط؛ فإن المنفعة لابد أن تتفق مع القيم والأخلاق.
إن الضوابط الشرعية لتحقيق المنفعة من المنتج؛ كالآتي[3]:
-
مستوى عالي من الجودة.
-
السعر المناسب. لا يشترط أن يكون هو السعر
الأرخص، ولكنه السعر الذي يعظم القيمة.
-
مستوى عالي من الأمان.
-
تطبيق مواصفات المنتج المميز؛ سواء كان سلعي
أو خدمي، صناعي أو زراعي، غذائي أو دوائي...إلخ.
-
توفير مخزون من المنتج يكفي طلب المستهلكين.
-
توضيح المعلومات الصحيحة في التبيين، بالنسبة
للمنتجات الاستهلاكية الغذائية أو الدوائية...إلخ.
-
مراعاة البعد الاجتماعي، وحاجة الفقراء. ويكون
ذلك أكثر إلزاماً في حالات الأزمات.
ثانياً: أثر الضوابط الإسلامية على زيادة القيمة:
إن الضوابط الشرعية تؤدي إلى زيادة القيمة لكل الأطراف،
وهو من الإعجاز الاقتصادي؛ لأن الجوانب القيمية هي التي تميز المنهج الاقتصادي
الإسلامي.
1- في مجال التسويق:
في مجال التسويق، هناك مردود إيجابي؛ إذا ما تمت ممارسته
بالطرق العلمية السليمة؛ على أسس أخلاقية؛ ومراعاة البعد الاجتماعي، والتوازن بين
المصلحة الخاصة غير الطاغية والمصلحة العامة؛ مما يؤدي إلى زيادة المنفعة.
إن نتيجة أي عمل تتكون من جزأين: الأول أثر مباشر في
الحياة الدنيا، والثاني أثر أبعد في الحياة الأخرى، كما أن عدد الاستعمالات
الممكنة للوحدة من الدخل المتاحة للفرد تزداد بحيث تشمل الوجوه التي تنتج آثارها
في الحياة الأخرى وحدها دون أن يكون لها نفع مادي في الحياة الدنيا.[4]
ويجب أن تتمثل الغاية في تحقيق التوازن بين الإشباع الروحي والإشباع المادي، أي بين متطلبات الدنيا والعمل للآخرة.
يقول الله تعالى:
- ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77).
وبخصوص موضوع السعر أو النفقة التي يتحملها المستهلك؛ فإن الثمن المرتفع أو المنخفض لابد أن يكون بالمقارنة بالفوائد التي يمنحها المُنتَج[5]؛ لأن السعر المناسب ليس المقصود به الأرخص؛ ولكنه السعر بالنسبة للقيمة التي سوف تعود على العميل أو المستهلك. ومن شروط زيادة القيمة للمستهلك، والتنمية ضمان المنافسة والحرية الاقتصادية. وتعتبر حرية الأسعار من أهم أسس تحقيق العدل لكل أطراف العملية التسويقية. ولا غرو فهذه سنة إلهية دل عليها رسول الله ﷺ عندما امتنع عن التسعير.
فقال ﷺ:
- "إنّ الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي
وليس أحدٌ مِنكم يطلُبني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ"[6]. وأيضا عندما نهى عن التدخل في الصفقات
التجارية بغرض الاحتكار، وقال ﷺ:
- "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون"[7].
وفي مجال التوزيع؛ فإن تأمين الاحتياجات من المنتجات
الضرورية يعتبر من موجبات الحياة واستقرارها على مستوى الفرد، والمجتمع، والأمة. [8]ولقد
جعل رسول الله ﷺ المَسكن والمُنتج الغذائي والصحة – المنتج الدوائي - من
موجبات وأساسيات الأمن. قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا
فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا
حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"[9]،
ومعنى "حيزت له الدنيا" أي جُمِعت له الدنيا.
وعدالة التوزيع في الإسلام هي من جوهر الإيمان؛ حيث تسود
هذه العدالة وفقاً للمنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية؛ الذي يحرم الاحتكار،
ويحرص على حفظ النعم؛ فلا إسراف ولا تبذير. ويؤدي ذلك إلى زيادة القيمة للفقير.
وأساس التوزيع في الإسلام العدل والإحسان[10]،
مصداقاً لقول الله عز وجل:
- ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).
ويحترم الإسلام في عملية توزيع حصيلة الإنتاج
"العائد" إرادة طرفي العقد، وهما صاحب رأس المال والعامل؛ حيث يتحدد
نصيب كل منهما بالاتفاق؛ الذي يحكمه في الفقه الإسلامي أمران؛ هما[11]:
- سعر السوق - العرض والطلب – الذي يحدد نصيب كل من العمل ورأس المال في
المضاربة والمزارعة.
- ألا يكون سعر السوق مجحفاً لأحد الطرفين (رب المال أو رب العمل).
وللدولة أن تتدخل لضمان عدالة التوزيع؛ بما يحقق التوازن والرضا بين أطراف العملية الإنتاجية؛ لأن العدل هو أهم عنصر في الإسلام في كل نواحي الحياة، وهو سبب الازدهار في الدولة.
يقول سبحانه وتعالى:
- ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9).
كما أن الإسلام يضيف بعداً آخر في نظرية التوزيع، وهو
منع المنافع العامة من أن تكون ملكاً لشخص واحد.
2- الطلب الفعلي:
عندما يكون الطلب الناتج عن حاجة مدعوماً بالقدرة
الشرائية على إشباع هذه الحاجة؛ فإنه يسمى الطلب الفعلي على المنتج. والقيمة هي
نتاج علاقة بين بائع (أو منتج) ومشتري (أو عميل)، ويتحقق العدل في القيمة عن طريق
التراضي، وهذا التراضي لا يكون إلا في إطار الجوانب القيمية الإسلامية. وحينئذ
يكون التراضي معبراً عن العدالة في الأجر والثمن.
وفي نور ذلك تنفتح أمامنا أبواب الربط بين التوجيهات
الإسلامية في مجال العمل والمال وبين مبدأ الوسطية، وهذا هو المناخ الذي يحقق
التراضي؛ الذي يؤدي إلى القيمة العادلة. إن العدل هو القيمة العليا في الإسلام،
والتراضي العنصر الرئيس وهو يعبر عن العدل، ويؤدي ذلك إلى القيمة العدل.
إن الإيمان يؤدي إلى بلوغ الخلق لحاجاتهم المادية، يقول
الله تعالى:
- ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ﴾ (المائدة: 66).
[1] رواه الترمذي في الجامع
المختصر من السنن - جامع الترمذي -، من
حديث مروان بن معاوية عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي عن أبيه وكانت له صحبة؛
برقم 2346.
[2] أنظر: جلال أمين: فلسفة علم الاقتصاد:
بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد (القاهرة: دار
الشروق، ط 5، 2019م)، ص 59 – 63.
[3] مجدي محمد مدني: التوجيه
الإسلامي لتسويق المنتج الدوائي، دراسة منشورة في: مجلة جيل الدراسات المقارنة،
تصدر فصلياً عن مركز جيل البحث العلمي (لبنان)، العدد: 11 - العام الخامس - أكتوبر
2020، ص 101.
[4] أنظر: يوسف كمال
محمد: فقه الاقتصاد
الإسلامي: النشاط الخاص (الكويت: دار القلم، 1408هـ = 1988م)، ص 295.
[5] أنظر: محمد
إبراهيم عبيدات، وجميل سمير دبابنة: التسويق الصحي والدوائي (عمان: دار وائل للنشر،
2006م)، ص199.
[6] حديث أنس بن مالك:
الترمذي برقم 1314، أبو داود برقم 3451، ابن ماجه برقم 2200، أحمد برقم
14057.
[7] حديث عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: ابن ماجة برقم 2153.
[8] توجد أساليب للإسلام في حفظ
التوازن الاقتصادي؛ وأهمها: عدم السماح بالثروة والغنى إلا بعد ضمان حد الكفاية لا
الكفاف لكل فرد أياً كانت جنسيته أو ديانته، وعدم السماح باستئثار أقلية بخيرات
المجتمع، وإعادة توزيع الثروة عند افتقاد التوازن. أنظر في ذلك: محمد شوقي
الفنجري: المذهب الاقتصادي في الإسلام (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،
2006م)، ص 204 – 212.
[9] من حديث مروان بن معاوية عن سلمة بن عبيد الله
بن محصن الخطمي عن أبيه: جامع الترمذي برقم 2346.
[10] توجد قواعد ثابتة للتوزيع في الإسلام، وهي: فرض
الزكاة، ونظم المواريث، وتحريم الربا. أنظر في ذلك: عبد السميع المصري: عدالة
توزيع الثروة في الإسلام (القاهرة: مكتبة وهبة، 1406هـ = 1986م)، ص 118 – 120.
[11] المرجع السابق نفسه، ص 120 –
121.
