مفهوم الإنتاج في ضوء القرآن والسنة
يتضمن هذا المقال الإعجاز الاقتصادي في الإنتاج في نور القرآن الكريم
والسنة المطهرة.
وعند مناقشة الإنتاج يوجد سؤال رئيس؛ وهي في الواقع من أهم الأسئلة في الإنتاج؛ كموضوع رئيس في النظرية الاقتصادية، وهو كما يلي:
- ما هو مفهوم الإنتاج؟ أو بصيغة أخرى، ما الذي
يعتبر نشاطاً إنتاجياً وما الذي لا يعتبر كذلك؟.
أولاً: أسس النشاط الاقتصادي:
وضع الإسلام أسساً لعملية النشاط الاقتصادي عموماً،
والإنتاج جزء من هذا النشاط، يقول الله سبحانه وتعالى:
- ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (المزمل: 20). وقد سوى الله بين المجاهدين
في سبيل الله وبين الساعين في ابتغاء الرزق، وهذا يدل على المكانة المهمة للضرب
-النشاط الاقتصادي- في الإسلام.
ومن الآيات الدالة على أسس الضرب في الأرض،
يقول الله عز وجل:
- ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ
غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا
فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود:
61).
- ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ
لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85).
- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي
مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: 15).
- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29).
- ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ⁕ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ⁕ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ
تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 63 – 65).
- ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ دَابَّةٍ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن
كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (لقمان: 10).
ويُستنبط من هذه الآيات ما يلي:
- يستخدم القرآن مصطلحات مثل الإعمار والإصلاح والتمكين والعمران؛ كدلالة
على الإنتاج والتنمية الشاملة.
- وعكس التنمية الإفساد في الأرض، ولم يستخدم القرآن الكريم مصطلح التخلف؛
وهو عكس التنمية، لأنه كما هو معروف فإن مصطلح التخلف الاقتصادي يحمل دلالات تحيز
تجاه نموذج بشري معين، أما مصطلح الإفساد في الأرض فهو إزالة ما في الموارد من
صلاحية ونفع، واستخدام الفساد كمصطلح يعني سوء استخدام الموارد.
- ضمن الله تعالى الرزق للإنسان، وطلب منه السعي للحصول على هذا الرزق
المقدر.
-
سخر الله تعالى للإنسان كل ما في الأرض. وهو سبحانه خالق الموارد. وتتوقف التنمية
الاقتصادية على مدى الاستفادة من تلك الموارد؛ لإحداث التطور والتقدم.
-
الماء هو عنصر الحياة الرئيس، ويعتمد عليه قطاع الزراعة، وهو القطاع الرئيس
للتنمية. والله سبحانه وتعالى وفر أسباب المعاش، وعلى الإنسان العمل والحرث.
-
العمل هو وسيلة التملك وإحداث التقدم، وهو وسيلة تنمية الثروة في الإسلام؛ لذلك
فإنه قيمة أساسية من القيم الاجتماعية والإنتاجية.
ولقد جعل رسول الله ﷺ المَسكن والمُنتج الغذائي والصحة – المنتج
الدوائي - من موجبات وأساسيات الأمن. قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا
فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا
حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"[1]،
ومعنى "حيزت له الدنيا" أي جُمِعت له الدنيا.
ثانياً: مفهوم الإنتاج وأنواع الثروات:
الإنتاج هو عملية خلق المنافع اللازمة لإشباع الحاجات؛ وتتضمن المنتجات السلع والخدمات. والموارد الطبيعية لا تصلح لإشباع الحاجات؛ إلا إذا أدخل عليها الإنسان
بعض التغييرات، ويكون ذلك من خلال العملية الإنتاجية. ولكي يتم الانتفاع بالنعم
التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان؛ فإن كل ما يُنتَفع به ناتج من أعمال البشر في تحصيل
المال، وترجع إلى ثلاثة أصول؛ وهي: استحضار المواد الأصلية، وتهيئة المواد
للانتفاع بها، وتوزيعها على الناس. وهي الأصول التي تسمى بالزراعة والصناعة
والتجارة[2].
أي أنه من منظور قطاعات الإنتاج، فإن المقصود بالإنتاج يشمل القطاعات الزراعية،
والصناعية، والتجارية أو التسويقية.
والثروة عموماً هي كل مال نافع لا ضرر في إنتاجه
واستعماله. وفي تبيان أنواع الثروات، يقول الله سبحانه
وتعالى في سورة النحل:
- ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾. (الثروة الحيوانية).
- ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ
شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10)﴾. (الثروة المائية).
- ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ
وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ (11)﴾. (الثروة الزراعية).
- ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ
إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةً لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ (13)﴾. (الثروة
الحيوانية، والثروة المعدنية، والثروة الزراعية).
- ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا
طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ
مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)﴾.
(الثروة السمكية، واللؤلؤ).
- ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا
وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)﴾. (النقل النهري، والبري).
- ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)﴾. (نعم الله تعالى؛ ومنها تلك الثروات لا تحصى).
- ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ
لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ
لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (66)﴾. (الثروة الحيوانية، والصناعات
الغذائية).
- ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ
اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)﴾. (الصناعات الغذائية).
- ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ (69)﴾. (الصناعات الدوائية).
- ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ
سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا
يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا
وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ (80)﴾. (الصناعات الجلدية، وصناعة الأثاث).
- ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ
الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)﴾. (التشييد والبناء، وصناعات الملابس ودروع الحرب).
ويستنبط من هذه الآيات الكريمة؛ ما يلي:
- وردت تلك الآيات جميعها في سورة واحدة - سورة النحل -، وبنفس الترتيب الوارد في
السورة الكريمة.
- أوضحت الآيات أهم القطاعات الإنتاجية، وأهم أنواع
الثروات، وهي: الثروة الحيوانية، والثروة الزراعية، والثروة المائية، والثروة
المعدنية، والثروة السمكية، واللؤلؤ والمرجان، وقطاع الخدمات؛ مثل: النقل النهري والنقل
البري. وكذلك الصناعات؛ مثل: صناعات الأغذية والأدوية والأثاث والملابس ودروع
الحرب، وقطاع التشييد والبناء. وغيرها من القطاعات الإنتاجية والصناعات، وأنواع الثروات
المختلفة.
- وردت الآية التي تدل على تعدد نعم الله تعالى في وسط الآيات
التي تبين تلك الثروات، ويجب المداومة على شكر الله على هذه النعم؛ لكي يديمها
الله تعالى. ومع ذلك فإن الله تعالى يتجاوز عن التقصير في الشكر على تلك النعم،
ولا يقطعها للتفريط، ولا يعاجل بالعقوبة؛ فهو الغفور الرحيم.
- جاء في الآيات الكريمة درجات المخلوقات، وكيف أن كل
مخلوق يخدم الأعلى منه في الدرجة، فالجماد يخدم الزرع والحيوان والإنسان، والزرع
يخدم الحيوان والإنسان، والحيوان يخدم الإنسان. وكل القطاعات خلقها الله تعالى في
خدمة الإنسان وعلى الإنسان أن يعبد الله حق عبادته، وأن يعمل ويجتهد للمحافظة على
تلك النعم، والتنمية للإنسان وبالإنسان.
