نظام الوقف في القرآن والسنة
معنى الوقف لغة: الحبس والمنع مطلقاً، سواء كان مادياً
أو معنوياً، وفي أصله الشرعي عبارة عن صدقة جارية؛ أي مستمرة، سنها رسول الله ﷺ بعد هجرته من
مكة إلى المدينة. والمراد منها استدامة الثواب والقرب إلى الله تعالى، عن طريق
تثبيت أصل منتج من أصول الثروة؛ مثل أرض زراعية، أو منزل، أو أسهم، وتخصيص ما يدره
هذا الأصل من ربح، أو ريع، أو عائد، أو منفعة ما؛ وذلك للإنفاق في وجوه البر والخيرات[1].
يتأسس نظام الوقف الإسلامي على مفهوم الاحتساب، فهو عمل
حسبي ديني يُبتغى به وجه الله تعالى، فهو عمل خيري لصالح العباد. وتتأسس مشروعيته
على مفهوم "الصدقة الجارية" التي ليست سوى الوقف عينه.
إن البحث
في نظام الوقف يركز على مقاصد الخير وفقه المصلحة من منظور المقاصد العامة للشريعة
الإسلامية؛ وصلتها بالنظر الفقهي ومكوناته؛ حيث يذهب أغلب فقهاء المقاصد إلى أن
تحقيق المصلحة هو هدف نظرية المقاصد العامة للشريعة الغراء، ومفهوم
"الخير" في ضوء القرآن والسنة هو أنه وسيلة من وسائل المقاصد لإدراك تلك
المصلحة.
وقد
تبلورت بعض العناصر؛ التي أسهمت في تفعيل نظام الوقف عبر الممارسة الاجتماعية
وتراكماتها التاريخية؛ للإسهام في تحقيق الخير العام، وأهم عناصر هذه الفاعلية
تتمثل في: المؤسسية، واستقلالية الإدارة والتمويل، واللامركزية. [2]
إن فقه الوقف في الواقع عبارة عن ترجمة لجانب أساسي من
جوانب مفهوم "السياسة المدنية" ذات المرجعية الإسلامية؛ التي تنظر إلى
"السياسة" على أنها تدبير لأمور معاش الناس بما يحقق لهم الفلاح، والفوز
بنعيمي الدنيا والآخرة؛ لا على أنها صراع حول القوة، وبالقوة.
وحكم الوقف أنه مندوب – عند جمهور الفقهاء – ويعده
الأحناف من قبيل المباح. وبالرغم من أن التوجيه الشرعي في الوقف جاء على سبيل
"الندب"، وليس على سبل "الوجوب" أو "الفرض".. إلا
أن هذا التوجيه قد لاقى قبولاً اجتماعياً واسع المدى، وانتشر العمل به في كل الدول
الإسلامية، منذ الصدر الأول للإسلام. ولا تزال آثاره باقية في الوقت المعاصر، ولكن
الاقبال عليه انحسر خلال القرن العشرين المنصرم[3].
وقد شهدت عدة ندوات في العقدين الأخيرين من القرن الماضي
ما يمكن تسميته بحقل "دراسات المجتمع المدني العربي والتحول
الديمقراطي"، تدور حول طرح سؤال في العلاقة بين نظام الوقف الإسلامي ومؤسسات
المجتمع المدني.. وتجلى الدور الرئيس للوقف من خلال بناء "مجال مشترك بين
المجتمع والدولة وأسهم في تحقيق التوازن بينهما؛ حيث صبت أغلبية المبادرات الوقفية
ومؤسساتها في تقويتهما معاً ضمن إطار من التعاون التضامني بين الحاكم للعلاقة
بينهما[4].
⁕ الإعجاز الاقتصادي في نظام الوقف في القرآن
والسنة:
إن من مقاصد الشريعة التعاون والمواساة؛ لأن في ذلك
مصلحة كبيرة، ومن وسائل ذلك عقود التبرعات، ومنها الوقف، وألا تكون هناك عوائق بين
نية الخير وعمله.
يقول الله عز وجل:
- "لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى
تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ
عَلِيمٌ" (آل عمران: 92).
والآية السابقة من أدلة القرآن الكريم على الوقف؛ حيث قال
العلماء إن هذه الآية تشمل الوقف؛ لأنه صدقة مثل سائر الصدقات التي يتقرب بها
العبد إلى الله عز وجل[5].
واستدل العلماء على ذلك؛ بأنه عندما نزلت تلك الآية وسمعها أبو طلحة -أحد صحابة
رسول الله ﷺ- قال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاءُ[6]،
فهي إلى الله عز وجل وإلى رسوله ﷺ أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك
الله، فقال رسول الله ﷺ: بخ يا أبا طلحة، ذلك مال رابح قبِلنَاهُ منك وَرَدَدناه
عليك، فاجعله في الأقربين، فتصدق به أبو طلحة على ذوي رَحِمِه"[7].
وفي الأحاديث النبوية؛ يقول رسول الله ﷺ:
- "إذا مات ابن الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة
جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له"[8].
- "من دل على خيرٍ فله مثلُ أجرِ فَاعِلِهِ"[9].
وفسر العلماء الصدقة الجارية بأنها الوقف؛ لأن غيرها من
الصدقات لا يكون جارياً، أي مستمراً ودائماً، أما الإجماع فقد خلص بعض العلماء إلى
أنه منعقد على جواز الوقف، واستدلوا على ذلك بأن الصحابة صدر منهم الوقف في عهد
رسول الله ﷺ، ومن بعده دون أن ينكره أحد. وقد أمر رسول الله ﷺ في أرضه أن يحبس أصلها ويسبل ثمرتها؛ وهي
سنة قائمة، وفعل أصحاب رسول الله في ذلك، وما وقفوه من عقارات وأموال يعتبر إجماع
منهم أن الوقوف جائزة[10].
وقد أسهم ضبط شروط الواقفين بمقاصد الشريعة في تحقيق
الكثير من مقاصد الشريعة بالإضافة إلى المقاصد الكلية الخمسة –حفظ الدين، والنفس،
والعقل، والنسل، والمال-، ومن أهمها مقصد الحرية بمعناها الاجتماعي الواسع، مثل
تحرير النفس من الأنانية، وتحرير الفقراء من أسر الحاجة، وتحرير العلماء من سطوة
الأمراء والحكام، إلى تحرير البلاد من سيطرة الأجانب. وتفتح المقاصد آفاقاً جديدة
في مجال الأوقاف[11].
ويرى البعض أن الدولة في الإسلام هي المؤسسة الحسبية
الكبرى، ولكن تغير مفهوم الدولة في دار الإسلام؛ قد أفرز سياسة جديدة في التعامل
مع الوقف أفضت إلى حل الأوقاف الذرية، ولم يعد للدولة إسهام في الوقف؛ إذ توقفت عن
أن تكون مؤسسة حسبية.
وهناك تحيزات للدولة الحديثة ضد نظام الأوقاف، وتوجد
أبعاد وطنية وإنسانية لنظام الوقف، وقد أسهم نظام الوقف الإسلامي في الخدمات
العامة مثل الإسهام في إدارة المياه وحماية البيئة والفن؛ فهناك منحى تنموي للوقف،
وقد ارتبط نظام الوقف الإسلامي بالازدهار الاقتصادي والثقافي العام.
والجدير بالذكر أن شهر رمضان قد حظي باهتمام كثير من
الواقفين، وقد صنفت صيغ التوظيف الاجتماعي للوقف في رمضان إلى ثلاثة أنماط وهي:
نمط التحويلات النقدية، ونمط المساعدات العينية، ونمط الدعم العيني للمؤسسات
المدنية[12].
⁕ نظرة الاقتصاد الوضعي إلى الإنفاق في وجوه الخير:
لم يعرف الضمان الاجتماعي في الغرب؛ إلا في
العصر الحالي؛ ولم يأخذ الصفة الرسمية التي عليها؛ إلا في سنة 1941؛ عندما اجتمعت
كلمة إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية في ميثاق الأطلنطي على وجوب تحقيق
الضمان الاجتماعي للأفراد[13]. كما لم تتذكر الأمم المتحدة الفقر والفقراء
في العالم إلا يوم 22 ديسمبر عام 1992؛ فاختارت يوم 17 أكتوبر من كل عام ليكون
"اليوم العالمي للقضاء على الفقر".
والدافع للضمان الاجتماعي عموماً؛ هو استرضاء
الشعوب وحثها على الاستمرار والنضال، وتأمين المحاربين وعائلاتهم، أما الدافع إلى
الزكاة في الإسلام؛ أنه أمر من الله سبحانه وتعالى اقترن بالصلاة في القرآن
الكريم.
ونجد بعض الاقتصاديين المعاصرين ينتقدون نظام الضرائب
المعاصرة؛ لأنها تعوق عملية التنمية، ويتجهون لفرض ضريبة على رأس المال بنسبة
بسيطة قد تقترب من نسبة الزكاة؛ وذلك لتحريك الأموال، والحث على الاستثمار، وتنمية
الأموال، كما يرون أنه يجب إعفاء الاستثمارات في مجال الضروريات والحاجيات من
الضرائب، وهذا ما حث عليه الفكر الاقتصادي في الإسلام[14]. ويكفي الإشارة إلى أن قواعد الزكاة لم تتغير
منذ أكثر من 1440 عاماً، في حين أن الضرائب تتغير.
كما أن نظام التأمين والتأمينات الاجتماعية الي يطبق في
العالم الغربي والشرقي على السواء؛ بسبب الخوف من الثورات العمالية، إلا أنه يسهم
بالأقساط في صورة تجارية مبني على حساب "اكتواري" لا يرعى قدرة الناس
على الدفع، وفي التعويض لا يرعى حاجتهم كماً وكيفاً؛ لأنه تبادل بين القادرين
والقادرين. أما المحتاجون الذين لا يشتركون لأنهم لا ينتمون إلى عمل يدفعون من أقساط
فإنهم لا يدخلون في هذه الرعاية[15].
وفي هذا العصر؛ رغم قوة الاقتصاد الغربي، وزيادة الناتج الإجمالي في الدول
الغربية، وكثرة التشريعات في حقوق الفقراء، وحمايتهم، لم يبلغوا شأن الضمان
الاجتماعي الإسلامي الذي حققته الزكاة، والصدقة الجارية في الوقف.
وفي عقد مقارنات في إصلاح الوقف والعمل الخيري بين مصر،
وتركيا، وإيران، وبريطانيا، والولايات المتحدة ألأمريكية[16].
اتضح أنه توجد أوجه شبه، واختلاف، ومع أن المقارنة بين أنظمة الوقف والمؤسسات
الخيرية في هذه الدول قد تتعذر بسبب أوجه الاختلاف الجذرية بين حالات الدول المذكورة،
ولكن ما يدعم إجراء المقارنة هو وحدة الموضوع؛ الذي يجمع بين تلك الحالات وهو
"العمل الخيري".
وقد تم عقد المقارنة بين تلك الدول؛ من خلال ما تتضمنه
قوانين كل دولة من تلك الدول بشأن: الوقف والمؤسسات الخيرية، وما في حكمها،
وشخصيتها القانونية، وأغراضها الأساسية، وطرق استثمار الأموال، ونظم المعاملة
الضريبية.
ومن خلال المقارنة بين قوانين العمل الخيري والأوقاف في
مصر من جهة، وكل من: تركيا، وإيران، وبريطانيا، والولايات المتحدة من جهة أخرى، تم
استنباط عدد من النتائج؛ وهي: تخلف قوانين الوقف وقانون الجمعيات في مصر عن مثيلاتها
في الدول الأخرى، وأن منظومة الوقف في مصر تفصل بين الأوقاف والتنظيمات المؤسسية
للعمل الخيري والنفع العام في المجتمع، وأن قوانين الوقف والعمل الأهلي في مصر
ومعظم الدول العربية لا تقدم حوافز ضريبية تشجع على إنشاء أوقاف جديدة أو تدعم
المؤسسات الخيرية لخدمة المجتمع، وأن الممتلكات الوقفية الموروثة لا تستثمر
بكفاءة؛ وأن تبعيتها لهيئة حكومية تحملها بأعباء مالية كبيرة، وأن قوانين الوقف
العربية التي صدرت بعد منتصف القرن العشرين؛ لا تراعي شروط الواقفين السابقين، مع
وجود انفصال حاد في البنية التشريعية والبنية المادية والإدارية للأوقاف المصرية؛
على وجه التحديد بين: أوقاف المسلمين، وأوقاف المسيحيين؛ وبدأ هذا الانقسام من
ستينيات القرن الماضي، وكيف أن هذا المنطق لا يتفق مع منطق الدولة الحديثة،
ويتنافى مع ما ألفه المصريون (مسلمون ومسيحيون) طيلة فترة طويلة؛ حوالي ألف
وثلاثمائة وخمسين عاماً، وذلك في ظل تطبيق الأحكام الشرعية للوقف، وانفتاحه على كل
أصحاب الديانات الأخرى؛ دون تمييز، وهذا الوضع مختلف عن الأوضاع في دول أخرى، وأن
حالة الوقف في مصر يرثى لها، ولا يجدي معها القيام بتعديلات جزئية، ولابد من قانون
للوقف ومؤسسات العمل الخيري يقوم على أساس بعض المبادئ.
[1] إبراهيم البيومي
غانم: تجديد الوعي بنظام الوقف الإسلامي (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم،
1437هـ = 2016م)، ص 9.
[2] إبراهيم البيومي
غانم: تجديد الفصول في فقه مقاصد الشريعة (القاهرة: مفكرون الدولية للنشر
والتوزيع، 1440هـ = 2018م)، ص 145 – 147.
[3] المرجع السابق
نفسه، ص 154، 155.
[4] إبراهيم البيومي
غانم: تجديد الوعي بنظام الوقف الإسلامي، مرجع سابق، ص 11.
[5] إبراهيم البيومي غانم:
تجديد الفصول في فقه مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص 257.
[6] بيرحاء؛ كانت حديقة، وكان
رسول الله ﷺ يدخلها ويستظل بها
ويشرب من مائها.
[7] متفق عليه، من
حديث أنس بن مالك: رواه البخاري برقم 2758، ورواه مسلم برقم 998 في صحيحيهما.
[8] رواه مسلم في صحيحه
برقم 1631.
[9] رواه مسلم في صحيحه برقم
1893.
[10] إبراهيم البيومي غانم:
تجديد الفصول في فقه مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص 257، 258.
[11] المرجع السابق نفسه، ص
263 – 293.
[12] المرجع السابق نفسه، ص 158 –
172.
[13] أنظر: يوسف القرضاوي: دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية
وشروط نجاحها (القاهرة: دار الشروق، 1422هـ = 2001م)، ص 34، 35.
[14] أنظر: حسين حسين
شحاتة: الإعجاز الاقتصادي في هدي الرسول ﷺ (القاهرة: دار
النشر للجامعات، 1426 هـ = 2005م)، ص 32، 33.
[15] يوسف كمال محمد: فقه الاقتصاد
الإسلامي: النشاط الخاص (الكويت: دار القلم، 1408هـ = 1988م)، ص 68.
[16] إبراهيم البيومي
غانم: تجديد الوعي بنظام الوقف الإسلامي، مرجع سابق، ص 211 - 230.
