القائمة الرئيسية

الصفحات

المحافظة على الموارد الطبيعية في ضوء القرآن والسنة

المحافظة على الموارد الطبيعية في ضوء القرآن والسنة

      إن الإسلام دين ونظام حياة. وتتضمن الشريعة العبادات والمعاملات، والأصل في المعاملات الحِل؛ أخذاً بالأسباب وإعماراً للأرض. والمحافظة على الموارد الطبيعية هي عامل رئيس في عمارة الأرض؛ أو التنمية الشاملة. 

        ويتضمن موضوع الإعجاز الاقتصادي في المحافظة على الموارد الطبيعية في نور القرآن الكريم والسنة المطهرة بعض الأسئلة؛ وهي كما يلي:

-         ما هي أوجه الإعجاز في اقتران القيم الإيمانية بالمحافظة على الموارد الإنتاجية؟

-         ما هي أوجه الإعجاز في الالتزام بأولويات الاستثمار في القرآن والسنة؟

-         ما هي أوجه الإعجاز في المحافظة على الموارد الطبيعية في القرآن والسنة؟

 

أولاً: اقتران القيم الإيمانية بالمحافظة على الموارد الإنتاجية:

إن اقتران الإيمان بالمفاهيم الاقتصادية عموماً؛ ينتظم في عدة أمور؛ وهي: الإيمان بأن الله تعالى هو المالك الأصلي للمال، والإيمان بالتفاوت في الأرزاق، والإيمان بأن مزاولة النشاط الاقتصادي ضروري؛ وهو شكر لله تعالى على نعمه، والإيمان بالحساب الأخروي، والإيمان بأن الله تعالى يراقب الناس على كل تصرفاتهم. حيث أن الاقتصاد الإسلامي هو تزاوج وتوازن بين الروح والمادة.

يقول الله عز وجل:

- ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (البقرة: 29).

- ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (طه: 6).

- ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم: 32 - 34).

ويستنبط من الآيات الكريمة السابقة ما يلي:

 - إن الله سبحانه وتعالى مالك لكل الموارد، والرزق من عنده سبحانه وتعالى، وكل شيء له سبحانه وتعالى[1]، وله حق إدارة ما يملك، وأن ملكية الإنسان هي حيازة لوديعة أو إعارة لمنفعة.

- يوجب ذلك على الإنسان أن يتعامل في الموارد في ضوء القواعد والشروط التي وضعها المالك الأصلي وهو الله سبحانه وتعالى.

- الإيمان بأن الله تعالى سخر ما في الكون لخدمة الإنسان، وعلى الإنسان أن يسعى ويجتهد للحصول على الرزق الحلال الطيب.

- هذا الاعتقاد يجعل المسلم يلتزم بشرع الله تعالى، والمحافظة على الموارد؛ التي سخرها الله تعالى له.

        وعلى المسلم أن يتذكر دائماً فضل الله وقدرته سبحانه وتعالى، ويكون دائم الشكر لله تعالى على نعمه، وهذا من موجبات الإيمان؛ لاستدامة هذه النعم.

 

ثانياً: الالتزام بالأولويات في الاستثمار في القرآن والسنة:

تعتبر محدودية الموارد الإنتاجية واستخدامها بشكل رديء؛ من أهم الدلائل على مشكلة التخلف الاقتصادي. والمقصود بالموارد الإنتاجية: 

- الأرض (أو الموارد الطبيعية)، والعمل (أو الموارد البشرية)، ورأس المال (أو الطاقات الإنتاجية الرأسمالية)، والتنظيم (أو المهارات الإدارية)، ومستوى التكنولوجيا (تكنولوجيا الملعومات).

ويتم استخدام الموارد وتنميتها؛ عن طريق الاعتماد الجماعي على الذات وفي إطار أولويات شديد الوضوح، ودقيق التحديد.

والالتزام بالأولويات الإسلامية في مجال الاستثمار أساس من أسس التنمية الاقتصادية،وقد استخدم القرآن الكريم مصطلحات مثل الإعمار والإصلاح والتمكين والعمران؛ كدلالة على الإنتاج والتنمية الشاملة، ولم يستخدم القرآن الكريم مصطلح التخلف؛ وهو عكس التنمية، واستخدم مصطلح الإفساد في الأرض؛ وهو إزالة ما في الموارد من صلاحية ونفع.

ويعني توجيه الاستثمار إلى الأنشطة الضرورية للمجتمع الإسلامي؛ ألا يرتبط بمعيار الربح المادي الحالي فقط؛ والربح المادي هو العائد النقدي من الاستثمار، ولكن لابد من النظرة المستقبلية، وحق الأجيال القادمة في ضمان موارد تحقق لهم رغد من العيش.

كما أن إنتاج الطيبات يرتبط بقاعدة الأولويات؛ فالاستثمار في المحرمات يُخرِج النشاط الاقتصادي عن المنهج الإسلامي. ويؤدي عدم الالتزام بقاعدة الأولويات؛ إلى عدم تحقيق مستوى معيشي مناسب للأفراد؛ بل يزيد الأعباء عليهم؛ خاصة الطبقة الفقيرة أو محدودة الدخل؛ التي لا يمكنها تعويض الارتفاع في الأسعار بزيادة دخلها؛ لذلك يزداد إحساسها بالفقر؛ جراء الاستثمار بدون الالتزام بالأولويات.

إن زيادة الاستثمار القومي يؤدي إلى تزايد متوسط الدخل للفرد، وبالتالي زيادة الادخار القومي، وزيادة الاستثمار القومي، فزيادة متوسط دخل الفرد.


ثالثاً: المحافظة على الموارد الطبيعية في القرآن والسنة:

كما سبق الإشارة؛ فإن الموارد الإنتاجية تتضمن الموارد الطبيعية... ويعتبر محدودية بعض عناصر الموارد الطبيعية في بعض الدول؛ خير دليل على الضعف الهيكلي في العملية الإنتاجية في هذه الدول؛ بالإضافة إلى محدودية: مكونات رأس المال، والعمل الماهر، والمهارات التنظيمية، وطرق الإنتاج المناسبة؛ من حيث التكنولوجي.[2]

     يقول الله عز وجل:

 - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾ (النحل: 112).

- ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 96).

- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: 15).

- ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85).

    ويستنبط من هذه الآيات الكريمة ما يلي:

- إن توافر الموارد الطبيعة يتعلق بصلاح الخلق.

- يجب استغلال الموارد بطريقة صحيحة، لأن عدم استغلالها بالطريقة المثلى معناه اقتصادياً أن يؤدي إلى التخلف. ولقد عبر القرآن الكريم عن الموارد الاقتصادية بالنعم، وعبر عن التخلف بـ "الكفر بنعمة الله"، فالكفر هو الستر والجحود وعدم الاعتراف.

- إن عدم استغلال الموارد أو استغلالها بشكل خاطئ يعتبر كفر بها؛ لأن الموارد رزق من الله سبحانه وتعالى لعباده، وعاقبة الكفر بها كما قرر القرآن الكريم، المعيشة الضنك التي قوامها الفقر الجسدي والنفسي بالجوع والخوف.

- السعي نحو الإصلاح وعدم الإفساد في الأرض من ركائز الاقتصاد الإسلامي.

- العمل على حماية البيئة من التلوث.

    ويقول رسول الله :

- "من أحيا أرضاً ميتة؛ فهي له"[3].

-"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يَغرسُها فَليغرسها"[4]

- "...إياك والحلوب"[5]

- "...من غش فليس مني"[6].

    ويستنبط من هذه الأحاديث الشريفة ما يلي:

 - حض رسول على الاستزادة من نعم الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك المحافظة على الموارد الطبيعية التي يحتاجها المجتمع، وتنميتها؛ وفقاً للشرع. وأن ذلك واجب على الفرد والمجتمع والدولة.

- اهتمام رسول الله بعدم تبديد الطاقات الإنتاجية. 

- إن المحافظة على الموارد الطبيعية يؤدي إلى زيادة الإنتاج، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

- إن توافر الموارد الطبيعية يتعلق بإرادة الناس؛ عن طريق عدم الغش.

     وقد استنبط فقهاء المسلمين الضوابط الشرعية من مصادر الشريعة الإسلامية حتى يكون المنتج (منتج نهائي أو وسيط) نافعاً وغير ضار. ومن واجبات الإنسان سواء كان باحثاً أو منتجاً، مستثمراً أو مسوقاً الالتزام بهذه الضوابط عبادة وطاعة وامتثالاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الضوابط ما يلي:

- عدم استغلال التقنيات الحديثة في الإتلاف أو الخراب أو التبديد.

- إن مبدأ الأولويات الإسلامية في مجال الاقتصاد هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ويجب الالتزام بها في مجال الإنتاج والاستثمار والاستهلاك؛ وذلك على مستوى الفرد، والبيت، والوحدة الاقتصادية والحكومية، والدولة.

- تجنب تعطيل الاستغلال الرشيد أو الانتفاع بالموارد الاقتصادية في إنتاج الطيبات من الرزق، على سبيل المثال إصلاح الثروات الطبيعية، أو استغلالها بطريقة ملائمة. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدم استخدام واستغلال الأرض المعطاه لبعض الصحابة؛ فكان لولي الأمر أن ينتزعها؛ طالما لم يُنتفع بها، ويعطيها لمن يُحييها. وهو مبدأ عام للسعي لتنمية الموارد الطبيعية والمحافظة عليها.

 

 

 



[1] أنظر: حسين حسين شحاتة: اقتصاديات البيت المسلم في ضوء الشريعة الإسلامية: (القاهرة: دار النشر للجامعات، 1428هـ = 2007م)، ص 24.

[2] أنظر: عبد الحميد الغزالي: حول المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1409هـ = 1989م)، ص 24 – 26.

[3] رواه أحمد والترمذي، وورد بمعناه أحاديث؛ وبعضها في صحيح البخاري.

[4] رواه أحمد برقم 12902.

[5] رواه مسلم في صحيحه برقم 2038.

[6] من حديث أبي هريرة: رواه مسلم في صحيحه برقم 102.

هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات