القائمة الرئيسية

الصفحات

التطورات المعاصرة ومعايير الغذاء المستدام


 

التطورات المعاصرة ومعايير الغذاء المستدام

توجد بعض التطورات في مجال الزراعة والغذاء المستدام قد تعمل على ضمان غذاء لعلاج مشكلة الجوع والأزمة الغذائية، وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

والمنتج الغذائي هو أي مادة قابلة للاستهلاك، وينقسم إلى قسمين: منتج غذائي طبيعي، ومنتج غذائي مصنع.

ونتناول فيما يلي بعض مجالات التطوير في مجال الغذاء المستدام، ومعايير الغذاء المستدام والزراعة الصحية.

المحور الأول: التطورات المعاصرة في مجال الغذاء المستدام:

في مجال التطوير؛ فإن العديد من العلوم – زراعية وهندسية واقتصادية واجتماعية وبيئية – تتداخل في نظام الغذاء المستدام؛ لأنه يحقق إنتاجية عالية، ويحقق ربح اقتصادي، ويضمن عدم الإضرار بالبيئة، مع الزراعة الصحية. ونركز في هذا المقال على ثلاثة مجالات: حماية الماء من التلوث، وتشعيع الأغذية، واستخدام التقنيات النووية.

حماية الماء من التلوث:

بينت العديد من الدراسات أن أكثر العناصر البيئية تأثيراً على تحديد نمط الزراعة هي المياه؛ وانخفاض صلاحيتها للزراعة. ويعتبر حماية الماء من التلوث؛ بمسببات أمراض فتاكة من الموضوعات الهامة، ومن هذه الملوثات: الملوثات الكيميائية، والإشعاعية، والنووية، والبيولوجية، ومياه الأمطار الحمضية. وتأتي هذه الملوثات من مصادر متنوعة، مثل: الصرف الصناعي، ومخلفات الصرف الصحي، والصرف الصناعي، والمبيدات الكيماوية الزراعية، والصرف الزراعي، والنفط بمشتقاته، والنفايات النووية، وتساقط الغبار الذري في مجاري الأنهار، والتسريبات من المفاعلات النووية.

وفي كثير من حالات التلوث هذه نجد أن الماء يظل دون أن يحدث به أي تغير في اللون أو الطعم أو الرائحة، ولا يمكن اكتشاف تلوثه إلا بأجهزة متطورة، لا تتوافر في الكثير من المعامل والمختبرات الحديثة.

ومع ذلك؛ لا توجد في كتابات أو دروس الفقهاء المعاصرين مثالاً شارحاً لملوثات الماء، رغم كثرة مصادر وشيوع تلك الملوثات في الواقع.

والمطلوب هو تجديد الأمثال لتتناسب مع الواقع الجديد؛ لأن الأمثال الشارحة لقواعد رفع الضرر وتجنبه هي نفسها الأمثال الشارحة في الدرس الفقهي منذ أكثر من ألف سنة.[1]وقد أجمع فقهاء المسلمين على ضرورة دفع الضرر؛ لحفظ النفس؛ ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، وحسب الاستطاعة.

تشعيع الأغذية:

        يعتبر استخدام تقنية تشعيع الأغذية بهدف الحفظ؛ من الطرق البديلة للحفظ باستخدام المواد الكيميائية في مراحل الإنتاج والتصنيع؛ التي لها آثار سلبية على صحة الإنسان.

 وقد مرت تقنية التشعيع بتجارب ودراسات؛ إلى أن ثبت جدواها تجارياً، حتى أصبحت مستخدمة في أكثر من 60 بلداً حول العالم.

وتتفق تكنولوجيا التشعيع الغذائي مع تحقيق أهداف اتفاقية الصحة والصحة النباتية S.P.S واتفاقية العوائق الفنية أمام التجارة T.B.T؛ حيث تم اعتماد التشعيع الغذائي تكنولوجياً من Codex وعمل مواصفات قياسية خاصة بها[2].

كما أن التشعيع الغذائي وتكنولوجيا مكافحة الآفات بالإشعاع تدعم السلامة الصحية للمستهلك؛ حيث يكفل الأمن الصحي النباتي للمنتجات الطازجة المتداولة تجارياً؛ عن طريق منع نمو الحشرات وغيرها من الآفات. وهذه القدرة على مكافحة الآفات، بما في ذلك الآفات ذات الأهمية للحجر الصحي، هي التي حدت بالكثير من الدول بالأخذ بتقنية التشعيع[3].

أيضاً فإن المنتجات المشععة متفقة كذلك مع المعايير الفنية الخاصة بالعبوات، وهي تكنولوجيا متفق عليها تجارياً في معظم دول العالم.

استخدام التقنيات النووية:

    اعتمدت الأهداف الـ17 للتنمية المستدامة في قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في نيويورك سبتمبر / أيلول 2015. وهي توازن بين الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة: الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. وفي ضوء ذلك فإن بعض المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة؛ ومنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA؛ تقوم بالمساهمة في ذلك. وتقوم الوكالة باستخدام التقنيات النووية والنظيرية للمساهمة في تحقيق بعض الأهداف، ومنها القضاء على الجوع؛ وذلك بالمحافظة على موارد التربة والمياه والمحاصيل، وحماية النباتات من الآفات الحشرية، وتربية نباتات جديدة لها خصائص مرغوبة... وكذلك عند إعداد المنتجات الغذائية للاستهلاك؛ لضمان جودة عالية، ومدة تخزين أطول، وزيادة سلامة الغذاء.[4]وهي في سبيل ذلك تنسق مع المنظمات ذات الصلة بوضع المواصفات الفنية للمنتج الغذائي.

المحور الثاني: معايير  الغذاء المستدام:

تتمثل المعايير الواجب توافرها في الغذاء لكي يكون غذاء مستداماً، فيما يلي:

1- المشروعية والطيبات:

 يقصد بذلك أن يكون المنتج الغذائي إنتاجاً واستهلاكاً حلالاً طيباً مطابقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية. ويقصد بشرط الحلال الطيب ألا يكون ضمن السلع المحرمة شرعاً.

2- تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية الخمس، ومراعاة الأولويات الإسلامية:

يجب أن يحقق المنتج الغذائي بطريق مباشر أو غير مباشر مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال. وليس المراد بحفظ النفس حفظها بالقصاص، بل نجد أن القصاص هو أضعف أنواع حفظ النفس؛ لأنه تدارك بعض الفوات، بل الحفظ يكون بحفظها عن التلف قبل وقوعه، مثل مقاومة الأمراض.[5]

ويجب أن يساهم المنتج الغذائي في تأمين وكفاية احتياجات المجتمع من الضروريات والحاجيات؛ التي بدونها تكون الحياة ضنكاً وصعبة وشاقة.

3- العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى الأمة:

يجب أن يساهم إنتاج الغذاء في تحقيق الاكتفاء الذاتي لأقطار الأمة الإسلامية؛ لضمان حريتها وعزتها؛ وحتى لا تكون عالة على أعدائها.

4- تحقيق الاستغلال الرشيد للموارد الطبيعية المتاحة:

يجب أن يكون إنتاج الغذاء ممن تتوافر له الموارد الطبيعية؛ وأن يكون إنتاجه رشيداً بما يحقق أعلى إنتاجية ممكنة وجودة عالية.

5- سد الفجوة الغذائية للطبقة الفقيرة:

إن ضمان تحقيق مستوى الضروريات الأساسية من المنتجات الغذائية لأفراد المجتمع يؤدي إلى شعور الفقراء بالأمان بضمان حصولهم على الضروريات الغذائية، وعدم تعرضهم للأمراض بسبب الجوع. ويجب أن يساهم الإنتاج الغذائي في سد الفجوة الغذائية على مستوى المجتمع وعلى مستوى الأمة الإسلامية؛ وذلك بالنسبة لطبقة الفقراء والمعوزين ممن هم دون حد الكفاية، مما يؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي وتحسن مستويات الصحة العامة.

6- استيفاء الشروط الصحية والموائمة مع القوانين والتعميمات المحلية والعالمية:

يجب الالتزام بشروط الجودة التي تضعها المؤسسات والمنظمات العالمية للغذاء والصحة؛ ولا يسبب ضرراً بالمخلوقات؛ وهذا من الدين؛ حيث أمرنا الله ورسوله بإتقان العمل وتحسينه.

وتصدر بعض الدول قوانين تتعلق بالمنتجات الغذائية؛ من حيث الإنتاج والتداول والاستهلاك؛ بهدف الحماية الصحية والبيئية، وتأسيساً على ذلك؛ يجب أن يكون المنتج الغذائي متوافقاً مع تلك القوانين ولا يخالفها.

7- المعاصرة في الإنتاج والاستفادة من تكنولوجيا التصنيع، وحفظ الغذاء الفائض:

يجب استخدام وسائل التقنية الحديثة المعاصرة؛ ما أمكن ذلك؛ في تصنيع الغذاء، وهذا من الإسلام؛ فالكلمة الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها. كما يجب أن تكون المنتجات الغذائية المصنعة الوطنية رائدة وذات سمعة طيبة.

واستدامة الغذاء لا تعني غذاء كافي لتلبية الاحتياجات فقط، بل يمتد ليشمل مدى كفاية الناتج المحلي من الغذاء؛ لتغطية احتياجات الدولة مستقبلاً، ولذلك يجب تجنب إهدار الفائض من المنتجات الغذائية.

8- حماية البيئة من التلوث:

يجب التركيز على المنتجات الغذائية التي لا تسبب تلوث في البيئة عند إنتاجها أو استهلاكها؛ واستخدام الأساليب والسبل بما يحقق التطهير. وفي سبيل ذلك؛ يجب ممارسة أساليب التصنيع الجيد.

9- المواءمة مع قيم وعادات المجتمع المعتبرة شرعاً:

يجب أن يتناسب المنتج الغذائي مع القيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، ولا تتعارض مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، ويجب تجنب المنتجات الغذائية المستوردة من الدول الأجنبية؛ والتي فيها مساس بذلك، وذلك بهدف المحافظة على القيم والهوية، وتجنب المحاكاة والتقليد بدون مبرر شرعي.

10- السلامة الفنية والشرعية للمنتج الغذائي المصنع، وسلامة التبيين:

يجب أن يتوافر في تصنيع المنتج الغذائي الشروط والضوابط الفنية والشرعية؛ من حيث عناصر المدخلات؛ مثل: الخامات ومستلزمات التصنيع الداخلة، وألا تتضمن أي عناصر منهي عنها شرعاً؛ لما تسببه من أضرار، ومساساً بقيم وسلوكيات المجتمع الإسلامي.

ويجب أن يتوافر في المنتجات الغذائية المعبأة (المغلفة) ضوابط التدوين والتوثيق؛ والتي تساعد في المتابعة والرقابة وتقويم الصلاحية؛ للاستخدام الصحيح وتجنب ما نفذت مدة صلاحيته. 

في ضوء ما سبق يمكن إيجاز أهم النقاط فيما يلي:

يعتبر إنتاج الغذاء المستدام من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ ومنها حفظ الدين وحفظ النفس.

يوجد دور كبير للقيم والأخلاق في سبيل إنتاج الغذاء المستدام.

  للغذاء المستدام أبعاد اقتصادية وبيئية واجتماعية، وبعدم توفره يكون التخلف الاقتصادي، والاعتماد على الغير.

يوجد فرق بين الأمن الغذائي والغذاء المستدام؛ ففي حين يعني الأمن الغذائي بتلبية الاحتياجات المادية من الغذاء، فإن الغذاء المستدام يعني باستدامة الغذاء ويشارك في تحقيق الرفاهية.

يقوم العمل على توفير الغذاء المستدام والزراعة الصحية على عدة مفاهيم إسلامية؛ منها: الحلال والطيبات، والضروريات، وتحقيق الأمن، والقوامة، والترشيد.

إن الغذاء الصحي هو الذي يعزز صحة الإنسان بشكل متكامل؛ فهو يحدد حالة اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس فقط غياب الأمراض او العجز.

الأهداف العلمية للغذاء الصحي مبنية على مواد علمية واسعة عن الغذاء والأنماط الغذائية والمخرجات الصحية.

تحرم الشريعة استخدام الهرمونات، وما في حكمها في إنتاج المنتجات الغذائية والزراعية والحيوانية.

من عناصر الزراعة المستدامة تحسين أحوال المزارعين. وكذلك تحسين نوعية البيئة، وقاعدة الموارد الطبيعية؛ التي يعتمد عليها الاقتصاد الزراعي، وتحقيق عائد اقتصادي لا يؤدي إلى تدهور القاعدة الإنتاجية، مع تحقيق مبدأ التكامل بين الزراعة والصناعة؛ لتحقيق غذاء مستدام.

من المحاذير الفنية في إنتاج المنتجات الغذائية: الخبائث وما هو ضار، وما يسبب التلوث البيئي.

يجب العمل على تقليل المخاطر؛ التي تواجه الإنتاج الزراعي بسبب المبيدات الكيميائية والفطرية والهرمونات؛ لما لها من آثار خطيرة على البيئة؛ وذلك في ضوء المعايير الصادرة من المنظمات الدولية.

العمل على إصدار التشريعات والقواعد وتوفير الميزانيات؛ التي تكفل تشجيع مراكز البحث العلمي والوزارات المعنية، خاصة وزارات البحث العلمي والزراعة والتعليم العالي والصحة، فيما يخص بحوث تطوير الغذاء، وتنظيم التجارب البحثية، بما يتناسب مع ضمان تطوير الصناعات الغذائية على أسس علمية، وعملية.

التعاون مع المنظمات العالمية ذات العلاقة بالغذاء المستدام؛ مثل: منظمة الأغذية والزراعة FAO، ومنظمة الصحة العالمية WHO، والوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، ومنظمة التجارة العالمية WTO، بالإضافة إلى اللجنة الدولية لدستور الأغذية CODEX.

الاهتمام بالخدمات الاستشارية والتقارير العلمية؛ الناتجة من تحاليل التربة والنبات والمياه، والتوصيات؛ وخاصة في مجال استزراع المناطق التي تواجه عوائق بيئية.

الاهتمام باستخدام التقنيات المعاصرة في مجال تحقيق سلامة الغذاء.

المنهج الإسلامي في التنمية يعمل على علاج الفساد في مجال إنتاج واستهلاك سلة الغذاء. وما يستتبع ذلك من محاربة الفقر والجوع والذل والمهانة.

يجب تطبيق الضوابط الشرعية لاستهلاك المنتجات الغذائية على مستوى الفرد والأسرة؛ حتى تكون مطبقة على مستوى المجتمع.

هناك علاقة سببية قوية بين توفير الاحتياجات من المنتجات الغذائية وبين نهضة المجتمع وأمنه واستقراره.

المحافظة على الموارد الطبيعية؛ المستخدمة في إنتاج الغذاء يؤدي إلى استقلال الأمة، والخروج من الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية.

إن إنقاذ الدول الإسلامية من مشكلة الفقر والنقص الحاد في الغذاء والاعتماد على الهبات والإعانات من العالم الخارجي؛ الذي يسبب للمجتمعات الذل والمهانة والحياة الضنك، يكون عن طريق الغذاء المستدام.

لابد من التعاون والتكامل بين البلدان العربية والإسلامية في مجال الزراعة المستدامة.

كاتب المقال: د. مجدي محمد مدني

https://www.ida2at.com/author/magdy-muhammad-madany/



[1] لمزيد من التفصيل يرجع إلى الدكتور إبراهيم البيومي غانم، تجديد الفصول في فقه مقاصد الشريعة، مفكرون الدولية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1440هـ  - 2019م، ص 300 وما بعدها.

[2] Codex Alimentarius دستور الأغذية أو "كود الغذاء" هو مجموعة من المعايير والمبادئ التوجيهية ومدونات الممارسات المعتمدة من قبل هيئة الدستور الغذائي، المعروفة أيضًا باسم CAC. وهي الجزء المركزي من برنامج معايير الأغذية المشترك بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية. وقد أنشأتها المنظمتان؛ لحماية صحة المستهلك وتعزيز الممارسات العادلة في تجارة الأغذية. https://www.fao.org/fao-who-codexalimentarius/en/

 

[4] أنظر: ميكلوس غاسبر، نيكول جاويرث، أهداف التنمية المستدامة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقال منشور بتاريخ: 9/6/2016، على موقع:

 https://www.iaea.org/ar/newscenter/news/the-sustainable-development-goals-and-the-iaea-arabic

[5] أنظر: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ط 9، دار سُخنون للنشر والتوزيع، تونس، 1441هـ  - 2020م، ص 86 – 89.  

هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات