القائمة الرئيسية

الصفحات

المحافظة على الأصول الرأسمالية في القرآن والسنة


 

المحافظة على الأصول الرأسمالية في القرآن والسنة

للإسلام عدة أساليب وأدوات للحث على الاستثمار في الطيبات؛ بما يحقق الصالح العام، وذلك وفقاً لسلم الأولويات الإسلامية؛ وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وتحريم الاستثمار في الترفيات.

ونتناول في هذا المقال المحافظة على الأصول الرأسمالية؛ في ضوء القرآن الكريم والسنة المشرفة. ثم موقف الاقتصاد الوضعي من الادخار والاستثمار.

الأصول الرأسمالية عبارة عن ممتلكات تستخدم على المدى الطويل، وليس بغرض إعادة البيع، وتستهلك خلال عملية الإنتاج، وعملية التكوين الرأسمالي هي زيادة أدوات ومستلزمات الإنتاج؛ التي لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشرة، وإنما للمساهمة في إنتاج منتجات أخرى. والتكوين الرأسمالي يضم رأس المال الثابت، وراس المال العامل.

ولا شك أن الآلية والأصول الرأسمالية عموماً؛ تؤدي إلى زيادة الإنتاج وجودته، ومن ثم زيادة القدرة على المنافسة، ومزيد من النمو والتنمية. ومن أمثلة الأصول الرأسمالية: الآلات والمباني وأجهزة الكمبيوتر والإنسان الآلي، وأيضاً براءات الاختراع؛ تعتبر ضمن الأصول الرأسمالية. 

إن انخفاض معدل النمو الاقتصادي، وقلة الإنتاج، وانتشار الفقر سببه الأساسي هو نقص أدوات الإنتاج؛ بسبب قلة الادخار، وهذا سببه قلة الدخل؛ لنقص الإنتاج؛ بسبب نقص الآلية والتكنولوجي، وهي حلقة مفرغة، ويبدأ كسر هذه الحلقة بمزيد من الآلية. 

وقد حث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على عدم تبديد الأصول الثابتة، فقال (صلى الله عليه وسلم):

- "من باع داراً أو عقاراً فلم يجعل ثمنه في مثلِه كانَ قِمناً أن لا يُبارك فيه"[1]. والبركة شيء أصيل في الإسلام.

كما حث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المحافظة على الطاقات الإنتاجية.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

- "إياك والحَلوب"[2].

 أي أن من هديه (صلى الله عليه وسلم) المحافظة على الأصول الرأسمالية؛ حتى يستمر الإنتاج، والحصول على المنفعة.

والجدير بالذكر؛ إن التطور الآلي المعاصر يكون نتيجة كشوف علمية وتجربة وبحث وابتكارات. كما يكون نتيجة تطبيق العلوم الطبيعية والرياضية المختلفة؛ على الأشياء.

ومن وسائل التكوين الرأسمالي، وحفظ رأس المال ما يلي[3]:

- عدم الإنفاق أكثر مما يكتسب الإنسان؛ حتى لا يفنى المال.

- عدم الإنفاق بما يكون مساوياً لما يكسب؛ حتى يبقى عند الإنسان لنائبة لا تؤمن، أو آفة تنزل، أو وضيعة فيما يعانيه التاجر من كساد البضاعة.

- عدم مد اليد إلى ما يعجز الإنسان عن القيام به؛ مثل أن يستثمر في مشروع يعجز عن القيام بإدارته.

- عدم تشغيل المال في الشيء الذي يبطئ خروجه عنه؛ ويكون ذلك مما يقل الطلب عليه؛ لاستغناء عوام الناس عنه.

إن دور الإنسان هو الكشف عن نعم الله تعالى؛ مثل الكشف عن الخامات محل رأس المال، وأيضاً الكشف عن قوانين تشغيلها التي سنها الله سبحانه وتعالى في كونه.

وكما سبق فإن محاربة الإسلام للاكتناز، يؤدي إلى اتجاه المدخرات إلى الانفاق بشقيه الاستهلاكي والاستثماري، والانفاق الاستثماري يؤدي إلى التكوين الرأسمالي. وهو من وسائل التنمية. وهذا من الإعجاز الاقتصادي في قول الله تعالى:

- ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 34).

إن المنهج الاقتصادي الإسلامي يتضمن من السياسات والإجراءات التي تؤدي إلى مشاركة الأموال في النشاط الاقتصادي، وبالتالي يستفيد الفرد والمجتمع من ثمار هذه الأموال، وينعم بنتائج ذلك على التنمية.

ومن وجهة النظر الإسلامية؛ فإن العائد ليس عائداً نقدياً فقط؛ لأن الاستثمار يوجه إلى النشاط الاقتصادي الأكثر ضرورة للمجتمع؛ كأولوية. وبالتالي فإن قاعدة الأولويات في الإسلام والتي تهتم بتوجيه الاستثمار إلى الضروريات تعتبر من الإعجاز الاقتصادي. 

والدليل على ذلك أن توجيه الاستثمارات في بعض الدول الإسلامية دون الالتزام بسلم الأولويات؛ من أهم أسباب التخلف، ويسبب عدم دفع عجلة النشاط الاقتصادي إلى الأمام، وبالتالي حدوث البطالة، وانخفاض الإنتاج، وانخفاض قيمة العملة، وزيادة التبعية؛ بسبب الاعتماد على الخارج في الضروريات.

ويحتاج ذلك إلى ملايين المشروعات الإنمائية الصغيرة، وذلك وفقاً لاحتياجات المجتمع، وتلبية تطلعاته المشروعة والمنضبطة، وعلى أساس تكنولوجي يتفق مع الاقتصاد والمرحلة التي يمر بها، والظروف التي يعيشها المجتمع وتتناسب مع الموارد الإنتاجية المتاحة.


نظرة الاقتصاد الوضعي إلى الادخار والاستثمار:

يمكن التطرق إلى نظرة الاقتصاد الوضعي إلى الادخار والاستثمار من زاويتين هما:  

1- دور سعر الفائدة في توجيهات الاستثمار:

يعكس الرأي التقليدي في الربا اعتباره نوعاً من الدخول التي تكسبها رؤوس الأموال المنتجة. والمغالطة في هذا الزعم في أن الفائدة تتحدد قبل تحقق الدخول وليس بعده؛ بصرف النظر عن وجود ربح للمشروع من عدمه. ويتحدد حجم الاستثمار في الفترة القصيرة بحجم التشغيل والدخل القومي، ويتوقف على الميل للاستثمار. ويتحدد الميل للاستثمار بعاملين؛ هما: الكفاية الحدية لراس المال، وسعر الفائدة.

    وتعني الكفاية الحدية لرأس المال معدل العائد المتوقع من استثمار حجم معين من رأس المال إلى تكلفة هذا الاستثمار نفسه، وترتبط الكفاية الحدية لرأس المال بعلاقة طردية مع حجم الاستثمار. كما توجد علاقة عكسية بين مستويات الاستثمار وتكلفة رأس المال وهي سعر الفائدة وفقاً للنظام الاقتصادي العالمي؛ حيث أن خفض سعر الفائدة يشجع على الاستثمار.

      ووفقاً لذلك يتحول الاستثمار إلى المشروعات التي تحقق أعلى ربح؛ دون النظر لحاجة المجتمع في نوعية الاستثمار، ويتضح ذلك مما يلي:

أ‌-       مجموع الميل الحدي للاستهلاك والميل الحدي للادخار يساوي واحد صحيح[4].

ب‌- تتوجه الاستثمارات نحو المشروعات ذات العائد المرتفع؛ لأن الإنفاق على الاستثمار من وجهة نظر المنظمين يجب أن يتجه للمشروعات التي تحقق أكبر عائد ممكن، وتناول كينز نظرية؛ أطلق عليها نظرية المضاعف، بين فيها أثر الاستثمار على الدخل القومي؛ حيث أن الاستثمار هنا هو المتغير الأساسي في الدخل القومي. ومضمون هذه النظرية أن الزيادة الأولية في الإنفاق على الاستثمار تؤدي إلى زيادة الدخل القومي بكميات مضاعفة؛ تقدر بما تؤدي إليه هذه الزيادة في الاستثمار من إنفاق متتالي على الاستهلاك.

ج‌-   سعر الفائدة هو المحرك للاستثمار. وابتكر الاقتصاديون الغربيون النظريات التي تبرر الفائدة؛ حيث أن الفائدة وجدت في الميدان العملي تحايلاً على الربا، ثم وضعت النظريات لتبريرها وتدعيمها. وهذه النظريات كالآتي[5]: نظرية الريع؛ وهو تشبيه الفائدة بريع الأرض، ونظرية الربح؛ على أساس أن معدل الربح في العادة أعلى من معدل الفائدة، ونظرية المخاطر؛ وهي أن الفائدة عبارة عن تعويض عن المخاطر التي يتعرض لها الدائن؛ مثل عجز المدين عن السداد، ونظرية تحويل رأس المال النقدي إلى رأس مال عقاري، ونظرية أجر الزمن، ونظرية التضحية والانتظار، ونظرية تفضيل السيولة، ونظرية الاستعمال، ونظرية العمل المتراكم، ونظرية الأجير أو بخس المستقبل.

د‌-     وهذه النظريات المبررة للفائدة على اختلاف تعبيراتها تتلاقى على أن الفائدة هي ثمن أو أجرة للنقود مثل أي سلعة أخرى مقابل بقاء الدين في ذمة المدين إلى أجل أو مقابل التضحية، أو مقابل الانتظار أو جزاء الادخار أو جزاء عدم الاكتناز[6].

هـ- أكد كينز على الدور الذي يمكن أن تلعبه السياسات الاقتصادية بصفة عامة، وتدخل الدولة بشكل إيجابي في النشاط الاقتصادي؛ من أجل دفع النشاط الاقتصادي والتنمية. والمعروف أن السياسة النقدية الحكيمة تعمل على زيادة الإنتاج وعلى المحافظة على مستواه الفعلي في حدود المقدرة الإنتاجية للاقتصاد القومي، ولكن ليست السياسة النقدية العامل الأساسي في تحديد سعة تلك المقدرة أو تعيين مستوى الكفاءة الإنتاجية في الاقتصاد القومي[7].

و‌-    توجد نتيجة هامة بالنسبة لدور سعر الفائدة في تحديد الاستثمار والسياسة الاقتصادية – من وجهة نظر الاقتصاد الوضعي - وهي أن السلطات النقدية تحدد الاستثمار عن طريق حركات سعر الفائدة؛ فإذا أرادت تشجيع الاستثمار خفضت سعر الفائدة، ومع ذلك توجد قيود على ذلك.

    2-  دور الاستثمار في التنمية في الدول المتخلفة:

 اتفقت جميع المناهج الوضعية على أن الجهد الإنمائي لابد أن يكون من الكبر والشمول؛ بحيث يستطيع أن يتغلب على معوقات التنمية. وذلك حتى يمكن للدول المتخلفة أن تحقق بداية جادة على طريق التنمية. ولكن السؤال هو: ما هو العنصر – المادي –الفاعل لإحداث عملية التنمية؟ وكانت الإجابة الرئيسة هي: عن طريق التغلب على ندرة رأس المال، ويكون ذلك عن طريق الاستثمار.

وبالتالي؛ فإن خطط التنمية وفقاً للاقتصاد الوضعي عبارة عن برامج استثمار. ولا شك أن هذا التوجه المادي الذي يركز على المؤشرات الاقتصادية المجردة كالناتج الكلي؛ يحتاج إلى بيئة مناسبة تسود فيها الحرية والعدالة على مستوى الفرد. أي أن الإنسان سيقع عليه عبء كل الجهد الإنمائي المطلوب.

 



[1] ابن ماجه رقم 2490.

[2] من حديث أبو هريرة: رواه مسلم برقم 2038 في صحيحه.

[3] يوسف كمال محمد: فقه الاقتصاد الإسلامي: النشاط الخاص (الكويت: دار القلم، 1408هـ = 1988م)، ص 127 – 132.

[4] أنظر: رفعت المحجوب: الاقتصاد السياسي، ج1 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1982م).، ص454، 455.

[5] أنظر: فتحي السيد لاشين: فوائد البنوك بين الاستغلال الربوي والاستثمار الإسلامي (الجيزة: البصائر للبحوث والدراسات، 2009م)، ص17 – 21.

[6] المرجع السابق نفسه، ص23.

[7] أنظر: محمد زكي شافعي: مقدمة في النقود والبنوك (القاهرة: دار النهضة العربية، 1980م)، ص11.

هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات