آلية ارتفاع الأسعار والفقر في
مصر (2)
إن ارتفاع مستوى المعيشة هدف لأي برنامج اقتصادي.. وانخفاض
القوة الشرائية للعملة (ارتفاع الأسعار) هو الوجه الآخر لانخفاض مستوى المعيشة،
حيث يكون من الخطأ أن نقول إن انخفاض القوة الشرائية للعملة يسبب انخفاض مستوى
المعيشة، لأن انخفاض القوة الشرائية للعملة هو نفسه انخفاض مستوى المعيشة..
•
بعدي إنخفاض مستوى المعيشة:
إن انخفاض مستوى المعيشة له بعدين، هما: البطالة والفقر.
ولايمكن بأي حال
تناول مشكلة الفقر دون تناول مشكلة البطالة..
وتشير الإحصاءات أن نسبة البطالة بين الشباب بلغت 40%. وللبطالة أنواع، أهمها البطالة السافرة والبطالة المقنعة..
والعلاقة وثيقة بين الفقر والبطالة، بل إن السعي في طلب الرزق من أهم وسائل علاج
مشكلة الفقر.. يقول الله تعالى:
- "هُوَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا
مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"
(الملك:
15). ..
ويلاحظ في تفسير هذه الآية الكريمة أن الله
سبحانه وتعالى قال "وكلوا من رزقه"؛ ولم يقل سبحانه وكلوا من
رزقها؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الرازق وضَمَنَ للناس رزقهم؛ حتى الكافر.. والأمر
بالسير في جوانب الأرض هو أمر إلهي لتعمير الدنيا. وهذا تفسير معنى أن العمل
عبادة، إذا كان العامل يحتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى.. والعامل يؤجر على عمله من
الله سبحانه وتعالى إذا أخلَصَ النية.
ورغم أن انخفاض البطالة (زيادة التشغيل) والنمو الاقتصادي يؤديان إلى
ارتفاع مستوى المعيشة، فقد يحدث أن يكون هناك تحسن في مناخ الاستثمار وزيادة في
التشغيل والتصدير والنمو، ومع ذلك لا تحدث تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تؤدي
إلى حدوث ارتفاع في مستويات المعيشة بنفس القدر.. وهذا ما حدث في مصر فعلياً قبل
يناير 2011، حيث زادت معدلات الاستثمار والتشغيل والنمو.. ومع ذلك زادت معدلات
الفقر.. ولم تستفد قطاعات عريضة من المجتمع المصري من ناتج النمو المرتفع.. بسبب
عدم وجود برامج اجتماعية أو سياسات لمحاربة الفقر.. ولم تكن هناك عدالة في توزيع
الدخل.. مما أدى إلى زيادة الإحساس بالفقر.. حيث لابد من اقتران زيادة التشغيل بسياسات
لمحاربة الفقر.. أي أن رفع مستوى المعيشة يستلزم محاربة الفقر، ولا يكون بمجرد
تحسن مناخ الاستثمار وزيادة النمو الاقتصادي؛ رغم أهميتهما، فقد أكدت برامج
الاصلاح المالي في نصف القرن الماضي أن الاستثمار والتصدير والنمو شروط ضرورية
لتحقيق التنمية الاقتصادية؛ ولكنها ليست كافية، بل لابد أن تكون هناك سياسة
اجتماعية تعمل على توزيع الدخول والثروات بشكل متوازن، وتوجيه الموارد نحو التنمية
البشرية والصحة والتعليم.. والتدخل مباشرة لحماية الطبقات الأكثر فقرا..
والسؤال الهام: كيف تكون البطالة والفقر هما أهم بعدي انخفاض مستويات
المعيشة؟ عادة تصاحب الإجراءات الاقتصادية التي تهدف إلى تحسين المؤشرات
الاقتصادية الكلية، وأهمها معدل النمو الاقتصادي، وزيادة الاحتياطي لدى البنك
المركزي، واستقرار العملة.. تؤدي إلى ارتفاع شديد في الأسعار، وارتفاع الدين العام
الداخلي والخارجي، وارتفاع تكلفة التمويل.. طالما استمر معدل البطالة مرتفعا
والخدمات العامة المقدمة للجمهور متدهورة.. وبالتالي فإن ما تعتبره أي حكومة
برنامج للإصلاح الاقتصادي من خلال الإعلام وعلى لسان المسئولين، فإنه من وجهة نظر
المواطن يعتبر تدهوراً في الاقتصاد..
