برنامج التخصيص) الشراكة
بين القطاعين العام والخاص):
بالتطبيق على القطاع الصحي في المملكة العربية
السعودية
Privatization Program (Public – Private
Partnership): By application to the health sector in the Kingdom of Saudi
Arabia
المقدمة:
كان
للنجاح الذي حققته برامج تحويل مشروعات وخدمات القطاع العام إلى القطاع الخاص في
بعض الدول؛ أن أصبح التخصيص أو الخصخصة (Privatization) اتجاهًا رئيسيًا لا يمكن البعد عنه أو الوقوف في طريقه، وفي جميع
الدول العربية أخذت برامج التخصيص طريقها نحو التنفيذ؛ وإن اختلفت في مدى تقدمها
في مراحل التنفيذ.
ورغم
أن مفهوم التخصيص قد ظهر منذ الستينيات؛ إلا أن ما أدى إلى إعطاء برامج التخصيص
أهمية على مستوى العالم هو البرنامج الشامل التي قامت به حكومة المحافظين
البريطانية عام 1979 بقيادة مارجريت تاتشر؛ حيث تضمن هذا البرنامج تحويل مشروعات
وخدمات القطاع العام إلى القطاع الخاص؛ وبنجاح التجربة البريطانية أخذت برامج
التخصيص تتوالى على مستوى العالم.
وفي
مجال الخدمات، فإن الهدف من برنامج التخصيص هو تمكين القطاع الخاص في القطاعات
الخدمية الحيوية مثل قطاع الخدمات الصحية؛ عن طريق إتاحة الأصول الحكومية أمام
القطاع الخاص؛ الذي يحتاج إلى توفير البيئة المشجعة والمحفزة له؛ بذلك تؤدي
الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى تحقيق التنوع الاقتصادي.
وفي
هذا الإطار فإن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المملكة العربية السعودية تعتبر
من البرامج الأساسية في تحقيق رؤية 2030 في مجال ازدهار الاقتصاد وتنويعه.
وتهدف
هذه الدراسة إلى بحث اتجاهات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القطاع الصحي
في المملكة العربية السعودية، وأهم جهود المملكة في إطار نظام التخصيص؛ باعتبار أن
برنامج التخصيص في هذا القطاع الحيوي والتي تعتبر الشراكة بين القطاعين العام
والخاص جزء منه؛ يرتكز على تعزيز دور القطاع الخاص؛ بما يؤدي إلى زيادة الكفاءة
العامة بتقليل التكاليف، وتحسين الجودة، وتشجيع القطاع الخاص للمشاركة الفعلية في
جهود التنمية وزيادة قدراته لتطوير البنية الأساسية في مشروعات الخدمات العامة وتطويرها؛
خاصة قطاع الخدمات الصحية. وسوف يتم تناول بعض التجارب الدولية؛ ومن التجارب الناجحة
في المشاركة بين القطاعين العام والخاص في قطاع الخدمات الصحية التجربة البريطانية،
كما توجد بعض التجارب في الدول النامية، وسوف نتناول إحدى نماذج الشراكات في الدول
ذات الاقتصاديات الناشئة والنامية في القطاع الصحي وهو النموذج اليمني.
مشكلة البحث:
في
إطار سعي المملكة العربية السعودية إلى التصحيح الاقتصادي؛ يعتبر برنامج التخصيص
من البرامج الرئيسة في هذا الاتجاه؛ حيث تتجه إلى تخصيص بعض القطاعات الحيوية وذلك
بهدف زيادة الكفاءة في الأداء والاستقرار المالي. ومن القطاعات التي تضمنها برنامج
التخصيص القطاع الصحي؛ حيث يرتكز برنامج التخصيص في القطاع الصحي عن طريق الشراكة
بين القطاعين العام والخاص على تعزيز دور القطاع الخاص؛ بما يؤدي إلى زيادة
الكفاءة العامة بتقليل النفقات في الموازنة العامة، وتحسين الجودة، وزيادة فعالية
الدور الحكومي من خلال التركيز على دورها التشريعي والتنظيمي؛ بالإضافة إلى جذب
الاستثمارات المحلية، والأجنبية المباشرة.
ويعتبر
مشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القطاع الصحي من أكثر المواضيع
حساسية، والتي تعتبر مشاريعه من أهم المشاريع التي يمكن للشراكة مع القطاع الخاص فيه
أن تحقق الكفاءة العالية والجودة، وفي نفس الوقت لها بعد اجتماعي.
ومن
مؤشرات تنمية وتنويع الاقتصاد في المملكة العربية السعودية هو مساهمة القطاع الخاص
في إجمالي الناتج المحلي؛ حيث بلغ 40.3% من المستهدف وهو 45% عام 2023، كما أن
المستهدف عام 2030 هو مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 65%.
(إحصاءات التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030، 2023)
كما
أن هناك أبعاد تشريعية ونظامية وإدارية لابد من مراعاتها عند تخصيص مؤسسات الخدمات
الصحية، وتحقيق الكفاءة العالية... وتوجد عدة استراتيجيات لتخصيص القطاع الصحي.
لذلك
يجب تحديد الاحتياجات التشريعية والإدارية من أجل تحقيق شراكة بين القطاعين العام
والخاص في القطاع الصحي بالمملكة لتحقيق أهداف هذا القطاع بكفاءة وفاعلية؛ حيث له
أهداف سامية؛ وذلك عن طريق برنامج التخصيص في رؤية المملكة 2030، وبغرض تحقيق
تنمية مستقلة لصالح الأجيال الحاضرة والمستقبلة.
يتمثل
السؤال الرئيس للبحث في السؤال التالي:
- ما هو مدى مساهمة تنفيذ
برنامج التخصيص (تطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص) في تطوير قطاع الخدمات
الصحية في المملكة العربية السعودية؟
يتفرع
من هذا السؤال الأسئلة التالية:
- ما هو الارتباط بين
برنامج التخصيص (الشراكة بين القطاعين العام والخاص) في قطاع الخدمات الصحية
والكفاءة العامة والجودة وتحقيق الأهداف المؤسسية؟
- ما هو أثر برنامج
التخصيص (الشراكة بين القطاعين العام والخاص) على جوانب؛ مثل الابتكار، وزيادة
التنافسية؟
- ما هي التحديات التي
تواجه الشراكة بين القطاعين لعام والخاص في قطاع الخدمات الصحية؟
- كيف يمكن التغلب على
التحديات في برنامج التخصيص (الشراكة بين القطاعين العام والخاص) في قطاع الخدمات
الصحية بالمملكة العربية السعودية؟
أهداف البحث:
إن المسألة الاجتماعية والوضع المالي يحتل
مكانة مركزية في تقييم تجارب عمليات التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص،
ولكن بأشكال مختلفة. وتكشف الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع الخدمات
الصحية عمق البعد الاجتماعي والمالي في برنامج التخصيص السعودي؛ حيث تهدف هذه
الدراسة إلى الآتي:
-
بحث اتجاهات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القطاع الصحي في المملكة
العربية السعودية.
-
معرفة أهم جهود المملكة في إطار برنامج التخصيص للتغلب على التحديات التي تواجه برنامج
الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
-
توضيح دور الشراكة في زيادة الكفاءة وتحسين الجودة وزيادة التنافسية لهذا القطاع
الحيوي.
-
معرف سبل واستراتيجيات التغلب على التحديات، وتفعيل برنامج الشراكة في القطاع
الصحي بالمملكة العربية السعودية.
أهمية البحث:
-
الأهمية العلمية (النظرية):
تعالج
الدراسة تقييم موضوعًا يعتبر ركن أساسي في تمويل قطاع الخدمات الصحية العامة؛ حيث يشكل
الإنفاق العام تحديًا للمملكة العربية السعودية، في إطار سياسات المالية العامة
للحكومة؛ وهو الشراكة بين القطاعين العام والخاص في القطاع الصحي؛ مما يؤدي إلى
مساعدة نتائج هذه الدراسة في التعريف بأسباب نجاح وتفعيل عملية الشراكة بين
القطاعين العام الخاص في برنامج التخصيص السعودي؛ حيث تعتبر أهم مشاريع هذا القطاع
من المشاريع الهامة في برنامج التخصيص.
كما
تسهم هذه الدراسة في سد الفجوة في الدراسات العربية التي تتناول الشراكة بين القطاعين
العام والخاص في قطاع الخدمات الصحية باعتباره من أهم القطاعات الخدمية التي تهم
المواطنين والمقيمين، وتحتل مكانة مهمة في قطاع الخدمات في برنامج التخصيص، ومعرفة
عوامل نجاحها. كما سوف نتناول بعض التجارب الدولية سواء على المستوى العالمي؛ وهي
التجربة البريطانية، أو على مستوى الدول العربية وهي التجربة اليمنية.
- الأهمية العملية (التطبيقية):
تعمل
نتائج هذه الدراسة على مساعدة متخذي القرارات في برنامج التخصيص؛ حيث يمكن أن
تساعد في تشخيص التحديات، وسبل العلاج؛ خاصة من خلال استعراض تجارب دولية في مجال
تخصيص القطاع الصحي، وسبل التغلب على التحديات التي تواجه القائمين البرنامج أو
اللجنة المنوط بها البرنامج. كما تفيد نتائج هذه الدراسة إدارات قطاع الخدمات
الصحية؛ عن طريق معرفة آثار الشراكة من الناحية الاجتماعية، وتأثيرها على
العاملين، وكيفية تحفيزهم، وزيادة انتاجيتهم. أيضًا معرفة التأثير الاقتصادي
لبرنامج الشراكة وكيف يمكن الاستفادة منه في زيادة القدرات التنافسية للمؤسسات
الصحية، وكيف يمكن التغلب على التحديات، وزيادة الكفاءة وتحسين الجودة.
منهجية البحث:
وللإجابة
على تساؤلات الدراسة سيتم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي؛ حيث سيتم مراجعة
الدراسات السابقة، وبعض التجارب الدولية في هذا الشأن.
أولًا: الشراكة بين
القطاعين العام والخاص – المفهوم والأنواع والأهداف والدوافع والآثار
الشراكة: رؤية نظرية
- مفهوم التخصيص (الشراكة بين القطاعين
العام والخاص):
تعددت
تعريفات التخصيص أو الخصخصة؛ حيث يقصد به تحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة أو
توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص، أو تقليص دور الحكومة في النشاط الاقتصادي،
والتعبير السليم لُغويًا هو تحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة (شحاتة، 2001، ص 10،9).
وفي تعريف آخر للتخصيص؛ بأنه إدارة المنشأة على أساس تجاري؛ من خلال نقل ملكيتها
كليًا أو جزئيًا إلى القطاع الخاص، وتأجير خدمات إدارة محترفة تقوم بمهمة تسيير
المنشأة على هذا الأساس (هندي، 1995، ص 4،3).
وفي
تعريف آخر للتخصيص بأنه سياسة اقتصادية تهدف إلى زيادة معدل النمو الاقتصادي؛ عن
طريق تحويل مشاريع القطاع العام بيعًا وإدارًة، وتشجيع القطاع الخاص ليتمكن من
اتخاذ قرارات تسويقية وإنتاجية بعيدًا عن البيروقراطية الحكومية؛ من أجل إنتاج
أحسن جودة، وزيادة القدرات التنافسية بما يؤدي لمزيد من التحسين، وجذب استثمارات
محلية وأجنبية. (الربيعي، 2004، ص 124)
ونجد
أن هذا التعريف للتخصيص أقرب من حيث أهمية المشاركة بين القطاع الخاص والقطاع
العام في برنامج التخصيص، وتأثير ذلك على التنمية المستقلة، وزيادة الجودة، وزيادة
القدرات التنافسية لدى منشآت القطاعات التي تقدم الخدمات العامة. ويعتبر قطاع الخدمات
الصحية من القطاعات الهامة من حيث الحاجة إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة، وأهمية
جذب استثمارات في هذا القطاع الحيوي. وتختلف الشراكة عن التخصيص، الذي يعني -كما
أوضحنا- عملية نقل الملكية العامة إلى الملكية الخاصة؛ لأن الشراكة بين القطاعين
العام والخاص تؤدي إلى تحمل القطاع الخاص مسؤولية التمويل، وكذلك تحمل جزء من
المخاطر، في حين أن التخصيص هو تخلي الحكومة عن ملكيتها للأصول والالتزامات ذات
الصلة. ويتضح ذلك من التعريفات التالية للشراكة:
يعرف
عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص Public Private
Partnership (PPP) بأنه
نظام تعاقدي إداري يتعهد
بمقتضاه المتعاقد وهو القطاع العام إلى أحد المتعاقد معهم من القطاع الخاص القيام
بتمويل استثمار متعلق ببعض المهام مثل التجهيزات الضرورية للمرفق العام وإدارتها
واستقلالها وصيانتها طوال مدة العقد المحددة مقابل الحصول على مبالغ مالية تلتزم
الإدارة المتعاقدة بدفعها إليه على أجزاء خلال مدة التعاقد، وتتولى مؤسسات من
القطاع العام والقطاع الخاص عمل مشاريع وخصوصًا مشاريع البنية التحتية، أو تقديم
خدمات للمواطنين. (الشافعي، 2011، ص 14)
وفي
تعريف آخر للشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ أفادت دراسة
أما
بالنسبة للمنظمات الدولية؛ فقد قدمت عددًا من التعريفات؛ ومنها تعريف منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية
(OECD)؛ حيث
عرفت المنظمة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنها عقود طويلة الأجل بين الجهة
العامة وشريك من القطاع الخاص أو مجموعة من الشركات الخاصة. وبموجب هذه العقود
يكون القطاع الخاص مسؤولًا بدرجات متفاوتة عن التصميم، والبناء، والتمويل،
والتشغيل، والتسيير الجيد للتجهيزات بهدف تقديم خدمة للإدارة، أو خدمة مباشرة للمستفيدين.
(عبد الرحمن، وهواري، 2022)
يستنتج
الباحث من خلال التعريفات السابقة إلى تعريف الشراكة بين القطاعين العام والخاص
بأنها جزء من برنامج التخصيص الشامل، عن طريق إشراك القطاع الخاص وتحميله
بمسؤوليات في التصميم والبناء والتمويل والتشغيل؛ بالإضافة إلى الإدارة المحترفة على
أسس تجارية، بما يؤدي إلى تحقيق أهداف المالية العامة بتقليل النفقات، وتحقيق هدف
زيادة الكفاءة الاقتصادية، وتحسين الجودة. ويمكن أن يقوم بتقديم الخدمة لجمهور
المستفيدين مباشرة؛ وذلك بغرض تحقيق رؤية الدولة في التنمية الاقتصادية
والاجتماعية المستقلة.
- أنواع الشراكة بين القطاعين العام
والخاص:
يوجد
نوعين من الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ وهما: (زروق، والطاهر، 2019، ص 120)
- الشراكة التعاونية:
وهي تعني بإدارة وتنظيم الشراكة على أساس تشاركي بين القطاعين العام والخاص؛ حيث
يتصف هذ النوع من الشراكات بعلاقات أفقية بين أطراف الشراكة؛ حيث يتم اتخاذ
القرارات بالإجماع، ويشترك جميع الشركاء في أداء المهام، ولا يوجد إشراف من طرف
لأي طرف؛ بموجب القواعد المعمول بها.
- الشراكة التعاقدية:
وتعني بترتيبات توصيل الخدمات بموجب عقد بين الطرفين، وتكون العلاقة بين أطراف
الشراكة عمودية؛ حيث توجد مرجعية واحدة تمارس الرقابة والسيطرة على النشاط، وعلى
الأطراف الأخرى المساهمة في الشراكة. وهذه الجهة لا تمارس مهام معينة؛ بل تعتمد
على الأطراف الأخرى في أداء المهام، وتكون قادرة على إنهاء الشراكة أحيانًا بصفة
أحادية استنادًا إلى معيار العقد الذي يحكم العلاقة بين القطاعين العام والخاص.
- أهداف الشراكة بين القطاعين العام
والخاص:
إن
الهدف من برنامج التخصيص عمومًا يعتبر الركيزة الأساسية لنجاح البرنامج؛ حيث تعتبر
الشراكة بين القطاعين العام والخاص جزء أصيل في برنامج التخصيص. إن الهدف من
الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي المعيار الذي يمكن في ضوئه تحديد المنظمات
التي يتضمنها البرنامج، كما يعتبر أساس للمفاضلة بين الطرق والأساليب البديلة
للتخصيص. معنى ذلك أن عدم وضوح الهدف من برنامج التخصيص يؤدي إلى فشل البرنامج.
وهناك أربعة أهداف كبرى؛ وهي: (هندي، 1995، ص 6-24)
- أهداف الكفاءة والنمو الاقتصادي: وأهمها خلق
مناخ تنافسي بين القطاعات الاقتصادية سواء في المجالات الإنتاجية، أو التسويقية،
أو البشرية، أو المالية.
- الأهداف المالية: وفي
مقدمتها علاج عجز الموازنة العامة بتقليل النفقات العامة عن طريق التوقف عن دعم
المنشآت التي لا يمكن أن تستمر على أساس تجاري، كما يمكن تصفيتها إذا كان هذا هو
البديل الوحيد المتاح.
- الأهداف التي لها صلة
بتوسيع قاعدة الملكية: يؤدي ذلك إلى إعطاء برنامج التخصيص أهمية للمشاركة مع
القطاع الخاص، ويؤدي إلى توفير فرص النجاح السياسي والتأييد الجماهيري. ويؤدي في
حالة توسيع قاعدة الملكية للعاملين إلى تحسين الأداء، وحماية المنشأة ضد الإفلاس.
- الأهداف السياسية: ومن أهم صورها مواجهة
الفساد، واستغلال المال العام من قبل المسئولين الحكوميين، كما أن تمليك العاملين
لحصة كبيرة من رأس المال يؤثر إيجابيًا على العلاقة بين العاملين والإدارة.
ودور
الدولة في ظل اقتصاديات السوق له تأثير كبير على الإنتاجية والناتج القومي
الإجمالي؛ حيث تلعب كفاءة الإدارة الاقتصادية للدولة دورًا حاسمًا في زيادة الإنتاجية،
لذلك فإن المبادرات التي تهدف إلى التخصيص وتحميل القطاع الخاص مسئولية التطوير
والتحديث تكون الأجدر بالاعتبار؛ بدلًا من ترك وحدات القطاع العام تتدهور
اقتصادياتها دون تخصيصها (السعيد، 2002، ص 49، 50) ويكون ذلك عن طريق زيادة مشاركة
القطاع الخاص؛ حيث تؤدي كفاءة إدارة برنامج التخصيص، والمشاركة بين القطاعين العام
والخاص إلى زيادة الطاقة الإنتاجية، وزيادة الإنتاجية؛ بسبب زيادة الاستثمارات
العامة والخاصة، وتحديث القطاع العام وتوسيع المشاركة مع القطاع الخاص بما يؤدي
إلى زيادة القدرة على تحقيق فائض وزيادة الإنتاج.
ويمكن
القول إنه لا يمكن التأثير في الناتج القومي أو العمالة تأثيرًا إيجابيًا أو
سلبيًا؛ إلا عن طريق التأثير في نفقة الإنتاج أو في أحد عناصر الطلب. وتتوقف نفقة
الإنتاج على كمية ما يحوزه المجتمع من عوامل الإنتاج (الموارد الطبيعية، راس
المال، العمل، كفاءة الإدارة الاقتصادية)، وعلى مستوى الإنتاجية لكل من هذه
العوامل. إن زيادة الإنتاجية لعوامل الإنتاج، وبالتالي زيادة الناتج القومي وزيادة
التشغيل تعتمد على زيادة مشاركة القطاع الخاص؛ بما تؤدي إليه من زيادة إنتاجية
العمل، ورأس المال وزيادة الكفاءة، وزيادة الناتج القومي الإجمالي. أيضًا فإن
زيادة الطلب الوطني والأجنبي على بعض عوامل الإنتاج أو عليها مجتمعة يؤدي إلى
زيادة الناتج القومي الإجمالي (أمين، 2019، ص 170-180).
معنى ذلك أن من أهداف توسيع قاعدة الملكية
وكذلك المشاركة بين القطاعين العام والخاص في برامج التخصيص أن تؤدي إلى زيادة
الكفاءة، والإنتاجية، والناتج القومي الإجمالي، والتشغيل عن طريق تحميل القطاع
الخاص بمسئولياته في التطوير والابتكار، وعدم ترك وحدات القطاع العام لتتدهور؛ حيث
تتوقف اقتصاديات هذه الوحدات على تحديثها وتطويرها، وتعتبر المشاركة بين القطاعين
العام والخاص هي السبيل، والخيار الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية هو تحقيق
أهداف مالية عن طريق تقليل النفقات العامة في الموازنة العامة، كما أن المشاركة
بين القطاعين العام والخاص تؤدي إلى خلق مناخ تنافسي. وحسب توقعات
صندوق النقد الدولي، في حين تباطأ النمو الاقتصادي العالمي من 3,5% في عام 2022
إلى 3% خلال العام الجاري؛ فإنه يتوقع معدل نمو في الاقتصاد السعودي نسبته 4% عام
2024، بالمقارنة بمعدل نمو عالمي متوقع نسبته 2,9%. (صندوق النقد الدولي، تقرير
أفاق الاقتصاد العالمي، 2023) والمتوقع أن يساهم القطاع الخاص في زيادة معدل
النمو.
ومن المهم أن تبذل لجنة التخصيص قصارى
جهدها لتجنب التعارض بين الأهداف التي تم الإشارة إليها عند تنفيذ برنامج التخصيص.
-
دوافع الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
يعتبر القطاع الصحي عمومًا في المملكة
العربية السعودية من القطاعات ذات الأولوية بهدف حماية صحة المواطنين والمقيمين، وتتمثل
أهم دوافع برنامج تخصيص هذا القطاع في الآتي:
-
دوافع اقتصادية: يتمثل الدافع الاقتصادي في أن الأنظمة الاقتصادية الحرة تعتمد على
آليات السوق والمنافسة لزيادة الكفاية الإنتاجية والجودة.
-
دوافع مالية: يتمثل الدافع المالي في أن التخصيص يهدف أساسًا إلى تخفيض الإنفاق
العام للدولة، وتمويل العجز في الموازنة العامة؛ بدلًا من الاعتماد على الاقتراض
الداخلي أو الخارجي.
-
دوافع اجتماعية: كما أن لعملية التخصيص دافع اجتماعي؛ حيث يعتبر وسيلة لتحقيق
الحرية الشخصية، وإيجاد حوافز شخصية للإنتاج، وتحقيق الانضباط في العملية
الإنتاجية.
وهذه الدوافع تفرض على برنامج التخصيص أن
يأخذ بعين الاعتبار النتائج المترتبة على عملية الشراكة مع القطاع الخاص؛ من حيث
ارتفاع الأسعار، وانخفاض الدافعية لدى العاملين لشعورهم بعدم الأمان الوظيفي
أحيانًا.
-
الآثار المترتبة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
من الأمور التي تؤدي إلى أثار اقتصادية
واجتماعية إن عملية التخصيص بشكل عام، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، أنها
قد لا تتماشى مع مبادئ الشفافية والمشاركة مع الجمهور، ومن تجارب بعض الدول
الناشئة والنامية اتضح ذلك في جزء من برامج التخصيص، وهي بعض عمليات الشراكة بين
القطاعين العام والخاص.
ويمكن وضع بعض الآثار الاقتصادية على سبيل
المثال وليس الحصر؛ وهي كما يلي:
أ- تقليص عجز الموازنة العامة للدولة؛ وهذا
الاثر الاقتصادي والمالي يحتل أهمية كبيرة في المالية العامة للدولة، وينتج عن
تمويل القطاع الخاص.
ب- الكفاءة والاستغلال الأمثل للأصول، وهو
هدف اقتصادي مهم أيضًا ينتج عنه آثار إيجابية على الاقتصاد القومي.
ت- زيادة الكفاية الاقتصادية،
وتقليل الضغوط التضخمية.
ث- تنشيط أسواق الأسهم
والأسواق المالية وتشجيع الاستثمار وتطوير المشروعات.
ج- توجد بعض الآثار الاحتكارية؛ فقد يتحول احتكار الدولة لبعض المشروعات
والخدمات العامة إلى احتكار القطاع الخاص لها، وهو تأثير سلبي على اقتصاديات
السوق.
- أساليب وطرق التخصيص:
إن أسلوب التخصيص يعتبر من أركان نجاح
برنامج التخصيص، ومن ثم نعرض أهم أساليب وطرق التخصيص (هندي، 1995، ص 45-95):
أولًا:
أساليب تنطوي على بيع جزئي أو كلي لحصة الحكومة في ملكية المنشأة:
1- الطرح العام للأسهم جزئيًا أو كليًا من
رأسمال المنشأة للجمهور؛ عبر سوق الأوراق المالية.
2- الطرح الخاص للأسهم، ويقصد به بيع أسهم
منشأة معينة أو جزء منها لمستثمر واحد، أو مجموعة من المستثمرين.
3- تملك العاملين وأعضاء الإدارة لحصة من رأس
مال المنشأة؛ وتوجد ثلاث طرق لتملك العاملين؛ وهي اختيار الأسهم، وخطط مشاركة
العاملين في رأسمال الشركة، وتمويل أعضاء الإدارة لشراء أسهم المنشأة عن طريق
الاقتراض.
4- التخصيص عن طريق بيع الأصول؛ وقد يأخذ بيع
الأصول صور متعددة.
ثانيًا:
أساليب للتخصيص لا تتضمن عملية البيع:
1- تقسيم المنشأة إلى وحدات مستقلة.
2- أسلوب التخصيص بجلب استثمارات خاصة
إضافية.
3- التأجير وعقود الإدارة.
وتعتبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص
من أهم استراتيجيات برنامج التخصيص؛ الذي يعتمد عليها لتحقيق أهداف برنامج التخصيص.
ثانيًا: التجارب الدولية
في تخصيص قطاع الخدمات الصحية:
سوف
نتناول في هذا الجزء تجربتين دوليتين؛ هما التجربة البريطانية، والتجربة اليمنية؛
بسبب اختلاف ظروف كل تجربة، واختلاف حجم الاقتصاد فيهما، ودرجة التقدم. وسوف يتم
تناول تجربة الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بريطانيا؛ كمثال للنماذج الناجحة
في برامج التخصيص بشكل عام وفي الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع الخدمات
الصحية بشكل خاص. كما سوف يتم تناول أحد تجارب الدول النامية في الشراكة في القطاع
الصحي؛ وهي التجربة اليمنية كدولة عربية.
* 1- التجربة
البريطانية:
تناولت
دراسة (عبد الرحمن، وهواري، 2022) التجربة البريطانية في مجال الشراكة بين
القطاعين العام والخاص، وهي بعنوان: التجربة البريطانية في مجال الشراكة بين
القطاع العام والخاص -قطاع الصحة، التعليم، والنقل نموذجا-؛ حيث قدمت الدراسة
التطور التاريخي والمؤسسي للشراكة بين القطاعين العام والخاص في بريطانيا. ومن بين
النتائج التي توصلت إليها أن التجربة البريطانية تعتبر تجربة رائدة في الدول
الأوروبية وفي العالم. وقد أوصت الدراسة الدول السائرة في طريق الشراكة بين
القطاعين العام والخاص أن تأخذ بعين الاعتبار عوامل نجاح الشراكة في بريطانيا،
ومحاولة التكيف مع طبيعة اقتصاديتها.
وفيما
يلي تفصيل التجربة البريطانية؛ كمثال للتجربة الناجحة في الشراكة بين القطاعين
العام والخاص في قطاع حيوي، وهو قطاع الخدمات الصحية.
بدأت
تجربة التخصيص في القطاع الصحي في بريطانيا في أواخر السبعينيات من القرن العشرين؛
وذلك بعد أزمة ارتفاع اسعار النفط؛ حيث قررت حكومة مارجريت تاتشر (1979 – 1990) أن
تتبع سياسة جديدة هدفها مجابهة تدني خدمات قطاع الصحة، وتهدف إلى الانفتاح على
القطاع الخاص للمشاركة والمساهمة في رفع مستوى البنية الأساسية في قطاع الخدمات
الصحية.
قامت
حكومة بريطانيا برصد مبالغ مالية معتبرة في الميزانية العامة للدولة؛ لتمويل قطاع
الصحة؛ بهدف تقديم خدمات ذات جودة عالية. انصب الاهتمام في المرتبة الأولى على
تحسين البنية التحتية لقطاع الخدمات الصحية (مستشفيات ومصحات وهياكل استشفائية)؛
التي كانت تعاني من تدهور منذ سنة 1948. وتم وضعها في شكل عقود مبرمة مع القطاع
الخاص، والتزام هذا القطاع بالتمويل.
أما
الشراكة بين القطاعين العام والخاص لم تنطلق فعليًا إلا سنة 1992 من قبل حكومة
المحافظين برئاسة جون ميجور على أساس مبادرة تمويل Private
finance initiative (PFI) والذي يعطي
القطاع الخاص الفرصة للمشاركة في تصميم وبناء وتشغيل وتمويل المشاريع الاقتصادية
مقابل حصة من إيرادات الخدمات الصحية المقدمة خلال فترة زمنية محددة متفق عليها
سلفًا، وبعد ذلك تؤول ملكية هذه المشاريع إلى الحكومة. تعتبر وزارة الخزانة الملكية
هي المسئولة عن إدارة وتنظيم عمليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ بهدف
تنظيم وتنسيق مشروعات الشراكة في إطار مبادرة التمويل.
في عام 2000 أنشأت الحكومة البريطانية وحدة شراكات
المملكة المتحدة PUK وكان منوطًا بها تمكين
القطاع العام من تحقيق أهدافه، والانتهاء من تجديد وتحسين البنى التحتية الأساسية،
وتقديم خدمات بجودة عالية؛ عن طريق استغلال الأصول العامة أفضل استغلال ممكن عن
طريق الشراكة مع القطاع الخاص. والدافع لهذه الشراكة هو دافع اقتصادي خالص يؤدي إلى
إحداث تطوير في البنية التحتية، وتقليل النفقات العامة في الموازنة، مما يؤدي إلى
تقليل الدور الحكومي في النشاط الاقتصادي.
في
سنة 1994 تم تطوير عملية التمويل للقطاع الصحي بانضمام مجموعة من المستثمرين على
شكل مجمع؛ أي مجموعة مختصة لتمويل المشاريع العمومية؛ من بناءات، وتجهيزات تقنية،
وأحدث خدمات متميزة في القطاعات الحيوية؛ ومنها قطاع الصحة.
وكان
من نتائج ذلك فتح الباب أمام البنوك لتوفير التمويلات للمستثمرين؛ مما أدى إلى
انجاز المشروعات الصحية بأعلى درجة من الدقة، وأدى إلى تقديم خدمات صحية على درجة
عالية من الجودة.
وفي
سنة 2004 تم فتح باب المساهمة للقطاع الخاص للتمويل.
أدت
هذه السياسة التي اتبعتها المملكة المتحدة إلى نتائج على الاقتصاد من ناحية زيادة
التنافسية، ونتائج إيجابية من ناحية جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين
البريطانيين، وبالتالي أسهمت في رفع مستوى المعيشة، وتحقيق رفاهية. وقد حازت
القبول من حيث الخدمات المتميزة المقدمة، إلا أن تأثيراتها السلبية كانت في ارتفاع
تكاليف العلاج للمرضى.
وفي هذا الإطار؛ تم ضخ مبالغ كبيرة في
مجموعة من المشروعات؛ عن طريق إنشاء مستشفيات جديدة ومصحات خاصة بأسعار مقبولة
تراعي توفير العلاج بأسعار مقبولة؛ ومن أهمها مستشفى بارني Barnet Hospital
الذي تم أنشائه عن طريق شركة Well House NHS Trust، وهذه المستشفى كمثال للمستشفيات التي أنشئت
في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتم الانتهاء من المستشفى في عام
2002، الذي تم افتتاحه رسميًا في عام 2003، وتم استبدال كلمة "عام"
لتصبح مستشفى بارني. ضم المستشفى في عام 2005 عدد 445 سريرًا من أصل 954 متاحة لـ Trust.
بلغ حجم الإنفاق
على هذه المستشفى وتحديثه فقط 65 مليون جنيه إسترليني في مدة محددة للعقد المبرم
تصل إلى 33 سنة.
ولم يتم الاتفاق
على التحديث والتطوير فقط؛ إنما تم الاتفاق في الشروط على تقديم التجهيزات
التكنولوجية، والخدمات المعلوماتية الحديثة، وتقديم التكنولوجيا الطبية، وتوفير
كافة الخدمات الضرورية للنزلاء المرضى. (بدون تاريخ (Barnet Hospital,
ورغم أن الدراسة التي تناولت التجربة
البريطانية من حيث كونها من التجارب الناجحة في التخصيص والشراكة بين القطاعين
العام والخاص؛ لم تذكر ظروف الدول الناشئة والنامية من حيث اختلافها عن ظروف
بريطانيا؛ خاصة أن هناك بيروقراطية حكومية ومستبدة، وعجز في الموازنة العامة ناتج
في أحيان كثيرة عن سوء إدارة الدولة لملف الاقتصاد والتخصيص، وعدم وجود أولويات
للإنفاق، ووجود فساد في أحيان أخرى؛ نتيجة عدم وجود أولويات في الإنفاق العام،
وتتسم بانخفاض مستويات الدخول، وعندها تحديات اقتصادية وسياسية.
يستنتج من التجربة البريطانية الآتي:
أ-
أن
مبادرة التمويل PFI أعطت للقطاع الخاص الفرصة لمشاركة القطاع العام مقابل حصة من
الإيرادات، وبعد ذلك تؤول إلى الحكومة.
ب-تم إنشاء وحدة شراكات لإدارة عملية الشراكة، وتمكن
القطاع العام من الانتهاء من المشروعات وتحسينها وتطوير البنية التحتية.
ت- تم انضمام مستثمرين جدد لتمويل القطاع العام
الصحي؛ لأنه يحتاج إلى تمويل كبير. وتم فتح الباب أمام البنوك لتقديم التسهيلات
اللازمة.
ث- أدى ذلك إلى زيادة تنافسية القطاع الصحي،
وتحقيق نتائج إيجابية في قطاع الخدمات الصحية.
ج- من شروط عقد
الشراكة في القطاع الصحي بجانب التحديث والتطوير؛ تقديم كافة التجهيزات،
والتكنولوجيا الطبية، والخدمات الضرورية للمرضى المستفيدين.
* 2- التجربة اليمنية:
يمر
القطاع العام في أي دولة بمراحل، وبسبب تضخم حجم القطاع العام في اليمن منذ أوائل
الستينيات من القرن العشرين -أي بعد قيام الثورة في 26 سبتمبر عام 1962 في شمال
اليمن، ثم قيام ثورة 14 أكتوبر عام 1963 في جنوب اليمن، وعلى وجه الخصوص منذ تحول
النظام في المحافظات الجنوبية إلى نظام شمولي في عام 1969-؛ فقد مر بمراحل مختلفة؛
إلى أن جاءت الوحدة اليمنية في عام 1990. ويعتبر اقتصاد اليمن اقتصاد ريعي، والهدف
من برنامج التخصيص في اليمن هو اشراك القطاع الخاص لتنويع الاقتصاد.
وفي
جانب آخر من التجربة اليمنية؛ حيث شهدت دول الخليج طفرة اقتصادية كبيرة خلال الفترة
من عامي 1974، 1984؛ بسبب زيادة مداخيلها من صادرات النفط؛ بسبب ارتفاع أسعاره
عالميًا إلى مستويات قياسية. وتلقى اليمن -المنقسم حينئذ إلى شطرين شمالي، وجنوبي-
مساعدات ضخمة من دول الخليج، ولكن اليمن الشمالي كان المستفيد الأكبر؛ خاصة بسبب
تحويلات العاملين اليمنيين من دول الخليج، وزاد نصيب الفرد اليمني من الدخل القومي
الإجمالي (GNI)؛ خاصة في اليمن الشمالي. ولكن أدى انتهاء الطفرة في دول الخليج مع
انخفاض أسعار النفط بداية من عام 1985 إلى توضيح مدى اخفاق اليمن في استثمار العقد
الماضي من أجل التوجه إلى التنمية المستدامة؛ لخدمة الاقتصاد على المدى الطويل؛
لذلك تعرض اليمن الشمالي إلى أزمة اقتصادية طاحنة بدون استعداد لها؛ بسبب عدم وجود
توجهات استراتيجية لصانعي السياسات في الشمال اليمني، وواجه مظاهر ضعف كبيرة في
الاقتصاد الكلي مثل العجز في الميزان التجاري؛ بعد أن كان يحقق فائضًا خلال سنوات
الطفرة النفطية، وانخفض سعر صرف العملة من 4.5 ريال للدولار، إلى 12 ريال للدولار،
وعانى الاقتصاد من عدم تنويع مصادر الدخل.
(مركز الإمارات للدراسات، 2024)
وجاءت
الوحدة الوطنية في 22 مايو 1990، وأهم ما يميزها وجود مجموعة كبيرة من المؤسسات
العامة الجنوبية والشمالية، وأصبح الاقتصاد اليمني أكبر حجمًا وقوة؛ وفيه قطاع عام
مكون من 140 مؤسسة عامة تقريبًا في القطاعات المختلفة؛ وإن كانت المؤسسات العامة
في اليمن الجنوبي سابقًا كانت معطلة، أو تعمل بأقل من طاقتها؛ أي لم تكن معظم الأصول
اليمنية في الجنوب مستغلة؛ بصورة مقبولة اقتصاديًا.
أهم
ما يميز تجربة التخصيص في اليمن أن الحكومة اليمنية ركزت على البدء بالمشروعات
الخاسرة وتصفيتها؛ حيث تهيأ المناخ المناسب في إقبال المستثمرين المحليين والأجانب
على الاستثمار في المشروعات الناجحة، وبالتالي ركزت الحكومة اليمنية على البدء
بتخصيص المشروعات والمنشآت المتوقفة وتحقق خسائر، وأغلبها في المحافظات الجنوبية
والشمالية فيما قبل الوحدة؛ لأنها تشكل أعباء مالية كبيرة على الموازنة العامة
للدولة. واتسم التخصيص في الجمهورية اليمنية بأنه اعتمد فقط على نقل ملكية بعض
المشروعات والمنشآت من القطاع العام إلى القطاع الخاص من أصل المشروعات العامة
التي لا تشكل إلا نسبة قليلة في بعض القطاعات، كما أن المنشآت في القطاع العام
اليمني ليست ذات بعد اجتماعي باستثناء العمالة فيها.
فكرت
الحكومة اليمنية في إجراء عملية التخصيص بدافع إصلاح الاختلالات؛ التي تتزايد في
الاقتصاد اليمني؛ والتي انعكست في العجز الكبير في الموازنة العامة، وعجز ميزان المدفوعات،
وزيادة معدلات التضخم زيادات كبيرة؛ لأن الدولة لجأت إلى التمويل بالعجز عن طريق
إصدارات نقدية جديدة، وارتفاع معدلات البطالة، وتدهور القطاع العام تدهورًا شديدًا،
مع انتشار الفساد، والعمالة المتراكمة، وانخفاض الإنتاجية...
لهذه
الأسباب اتجهت الحكومة اليمنية إلى سياسة التخصيص؛ حيث تم الاتفاق بين الحكومة
اليمنية من جانب والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي من جانب آخر على تبني برنامج
للتصحيح الاقتصادي عام 1995ويعتبر التخصيص أحد زواياه لعلاج التدهور الاقتصادي.
جاءت
عدة قرارات لمجلس الوزراء بداية من قرار رقم (149، 150) لعام 1994، وقرار رقم (8)
لعام 1995، ولكن برنامج التخصيص لم يكتب له النجاح حتى عام 1998؛ بسبب عدم وجود
جهة واحدة للإشراف، وتشريع متكامل يضمن سلامة الإجراءات، ووضوحها في كل مراحل
عملية نقل الملكية إلى القطاع الخاص، بداية من عمليات اختيار المنشآت، واولوياتها،
وتقييم الأصول، والطريق التي ستتبع في البيع أو في عودة الأصول إلى الدولة جزئيًا أو
كليًا...
أصدر
البنك الدولي مُذكِّرة اقتصادية قُطْرية جديدة خاصة باليمن تُسلِّط الضوء على
التحديات التي يواجهها هذا البلد، والفرص المتاحة لتحقيق التعافي والنمو
الاقتصادي. وستصاحب هذه الزيادة نموٌ كبير في حجم الاستثمارات العامة والخاصة،
ومعدلات التوظيف، والإنتاجية وكذلك انخفاضٌ في نسب الفقر. ومن أجل الإسراع بجهود
إعادة الأعمار والتعافي في البلاد، سيكون من الضروري أيضاً أن تصاحب هذه الزيادة
مساعداتُ من المانحين الخارجيين على نطاق واسع.
ولذلك
صدر قانون التخصيص رقم (45) لعام 1999 ليحدد أهداف التخصيص بوضوح، ويحدد الإجراءات
والعمليات التي يجب اتباعها، والسير في ضوئها، بما يحقق الأهداف؛ وأهمها رفع
وزيادة الكفاءة في أداء الوحدات الاقتصادية؛ على أسس تنافسية، وجذب المدخرات
المحلية والأجنبية، وإدخال التكنولوجيا الجديدة؛ التي تؤدي إلى زيادة الإنتاجية،
وتخفيض الأسعار. ويرتبط نجاح برنامج التخصيص بوجود أسواق مالية لتداول الأسهم
والأوراق المالية، وضمان تقييم الأصول القائمة المراد تخصيصها بطريقة صحيحة. (الربيعي،
2004، ص 407-418)
ويمكن
النظر إلى سياسات التخصيص في اليمن من خلال سياستين؛ وهما:
- سياسة التخصيص
التلقائية؛ حيث تعتمد على تشجيع القطاع الخاص، والمبادرات الفردية لزيادة دورها
الاقتصادي ليأخذ الدور الريادي (إعفاء جزئي أو كلي من الضرائب، وتقديم تسهيلات
إجرائية، وإيجاد بيئة ومناخ استثماري مشجع في التوجه نحو اقتصاد السوق)، وإصدار
تعديلات على قانون الاستثمار اليمني؛ بحيث أصبح مشجعًا على الاستثمارات الوطنية
والأجنبية، وتخلي الدولة عن الاستثمار في المشروعات الإنتاجية ابتداءً من عام
1995. وأدى ذلك إلى زيادة دور القطاع الخاص في قطاعات الاقتصاد القومي، وانخفاض
الدور الحكومي في النشاط الاقتصادي.
- سياسة التخصيص
المباشر؛ عن طريق تقليص دور القطاع العام بطرق التخصيص المختلفة؛ التي يتم
اختيارها.
وفي
الحالة اليمنية؛ فإن الصراع السياسي والعسكري انعكس على الوضع الاقتصادي ومستوى
معيشة المواطن اليمني. وأصبحت الحكومة غير قادرة على التمويل لتلبية متطلبات
التنمية، وانعكس الوضع على مستوى الخدمات، وتوجد قطاعات لا تستطيع الحكومة أن تنهض
بها دون القطاع الخاص؛ حيث تحتاج إلى خبرات لإدارتها.
وتضمن
برنامج التخصيص أربعة قطاعات، وهي المشروعات السياحية، والمشروعات الصناعية،
والمشروعات الزراعية، والمشروعات الخدمية (المشروعات الصحية، والتعليمية).
في
قطاع المشروعات الخدمية قامت الحكومة بتخصيص هيئة مستشفى الثورة العام بصنعاء،
ونظافة العاصمة صنعاء. نظرت حكومة الجمهورية اليمنية في عملية تخصيص الخدمات
العامة الصحية بأسلوب التعاقد في الإدارة والتشغيل؛ بهدف تحسين الأداء وتجويد
تقديم الخدمات عند تكلفة مناسبة؛ خاصة أن أسعار الخدمات الجديدة تحرم أصحاب الدخول
المحدودة من هذه الخدمات؛ بغية تحقيق مبدأ العدالة.
وقد
حاولت الحكومة تنفيذ عدد من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية والمالية وتخصيص بعض
المؤسسات العامة بين عامي 2000 و 2010 في سبيل تحفيز وتحسين بيئة الأعمال، فعلى
سبيل المثال، أطلقت الحكومة منحة بولي لتنمية الإصلاح المؤسساتي؛ واشتمل ذلك على
عنصرين رئيسيين؛ هما: إصلاحات ضريبية لزيادة حوافز الاستثمار الخاص، وإصلاح حقوق
التسجيل والملكية.
وما
زالت الحكومة في ظل الصراع الحالي منشغلة عن التصحيح القانوني والتشريعي، ورغم
تضرر القطاع الخاص ككل القطاعات في الاقتصاد القومي؛ إلا أنه وابتداءً من عام 1995
–كما تم الإشارة- استطاع أن يحتل مكانة بارزة.
وتشير الإحصاءات إلى ما يلي: - استحوذ القطاع
الخاص اليمني على 80% من الصناعات عام 2015. وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في
الناتج المحلي الإجمالي من 67,1% عام 2015 إلى 70,8% عام 2019. وارتفعت مساهمة
القطاع الخاص في قطاع الخدمات من 62.3% عام 2015 إلى 70.8% عام 2019.
ويدل
ذلك على أن الشراكة مع القطاع الخاص أدت إلى نتائج مهمة في بروز هذا القطاع كشريك
في التنمية. ومع ذلك فإن الإصلاحات وبرامج التخصيص والمشاركة مع القطاع الخاص لم
تحقق النتائج المرجوة، فحسب تقييم البنك الدولي فإن الإصلاحات والمبادرات لم تحقق
أهدافها بسبب التدخل السياسي، والعوائق الحكومية البيروقراطية، وغياب الحوكمة
المتمثلة في المسؤولية، والمحاسبة، وغياب الرؤية المتكاملة في مواجهة التحديات في
بيئة العمل في اليمن.
ومن
التوصيات في مجال الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال الخدمات العامة في
الجمهورية اليمنية؛ والتي تتلخص في الآتي:
أ- إنشاء صندوق استثماري بالشراكة مع القطاع
الخاص في مجال بعض الخدمات (مثل الكهرباء).
ب-خلق شراكة استراتيجية في كافة مكونات بعض
الخدمات (مثل قطاع النقل).
ت-فتح باب المساهمة للقطاع الخاص في بعض
شركات الخدمات العامة التي تقدم خدمات كبرى، ورفع رأس مالها؛ مما يؤدي إلى بروز
دور القطاع الخاص ورفع مستوى الخدمات المقدمة فيها (مثل النقل الجوي).
ث-إنشاء شركات استثمارية بين القطاع الخاص
والقطاع العام لإنشاء وإدارة شركات في قطاعات معينة؛ لسد الفجوة التمويلية في هذه
القطاعات (مثل الموانئ والمطارات).
ج- الدخول بضخ استثمارات كبيرة لتقديم خدمة
مميزة في القطاعات الواعدة، وتقديم حوافز للقطاع الخاص، وتسهيل الإجراءات
القانونية (مثل الاتصالات).
ح- أيضًا في قطاع البنوك والتأمين يمكن
للقطاع الخاص أن يكون له دور عن طريق الشراكة.
خ- الشراكة في المجالات الإدارية والتشريعية
والقانونية، واتخاذ آلية مشتركة من خلال إنشاء مجلس اقتصادي أعلى يمثل الحكومة،
والقطاع الخاص، أو إعادة تشكيل المجلس الاقتصادي الحالي من خلال إشراك القطاع
الخاص.
ثالثًا: الشراكة بين
القطاعين العام والخاص في المملكة العربية السعودية:
تم
الموافقة على نظام التخصيص في المملكة العربية السعودية بالقرار رقم (436) بتاريخ
3/8/1442ه (2018م)، والذي يهدف إلى المساعدة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للجهات
الحكومية، وترشيد الإنفاق العام، وزيادة إيرادات الدولة، ورفع كفاءة الاقتصاد
الوطني، وزيادة القدرة التنافسية لمواجهة تحديات المنافسة الإقليمية والدولية،
ورفع مستوى الشمولية المالية، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار والمشاركة
بفاعلية، والعمل على توسيع نطاق مشاركة المواطنين في ملكية الأصول، وزيادة تشغيل
القوى الوطنية.
في
إطار تعريف الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ "بأنها ترتيب تعاقدي مرتبط
بالبنية التحتيّة أو الخدمة العامة، ينتج عنه علاقة بين الحكومة والطرف الخاص"،
تتوافر في العقد بعض الشروط؛ أهمها: أن تكون مدته خمس سنوات فأكثر، ويؤدي طرف القطاع
الخاص بعض الأعمال مثل تصميم الأصول، أو تشييدها، أو إدارتها، أو تشغيلها، أو
صيانتها، أو تمويلها، سواء كانت الأصول مملوكة للحكومة أو للقطاع الخاص أو لكليهما،
وتحمل المخاطر النوعية والكمية يكون بالتوزيع، ويكون المقابل المالي الذي يحصل عليه
القطاع الخاص بموجب التعاقد مبنيًا على مستوى أدائه في تنفيذ الالتزامات المسندة
إليه. (استراتيجية الخصخصة السعودية، 2024)
وتتكون
اللجنة التي كلفت بمتابعة وتنفيذ برنامج التخصيص في المملكة العربية السعودية؛ من
جميع الوزراء المعنيين ببرنامج التخصيص، ويرتكز البرنامج على الآتي:
- إرساء الأسس القانونية / التنظيمية.
- إرساء الأسس المؤسساتية.
- توجيه مبادرات البرنامج الرئيسة.
وقد
قامت اللجنة بتحقيق إنجازات؛ حيث أسهمت في تحديد الأطر والإجراءات القانونية
لتحديد الأصول ونوعية الخدمات وأهم الموارد التي يمكن تخصيصها. ويعتبر إطلاق
المركز الوطني للتخصيص في إطار برنامج التخصيص الذي بدأ عام 2018؛ هو بهدف تهيئة
القطاعات والأصول الحكومية التي يمكن تخصيصها، أو تطويرها وتحسين جودتها عن طريق
الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ لهدف رئيسي وهو رفع الكفاءة بشكل عام؛ عن طريق
تقليل تكاليف تشغيل الأصول على الحكومة، مما يؤدي إلى تركيز جهود الحكومة على
الجوانب التشريعية والتنظيمية، وفي نفس الوقت يؤدي إلى جذب الاستثمارات من القطاع
الخاص، ومزيد من الإبداع والابتكار الذي يتميز به القطاع الخاص، ومن ثم التأثير
الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الاستقرار المالي داخل المملكة العربية السعودية
(برنامج تحقيق رؤية 2030: برنامج التخصيص، 2024).
ويمكن
تقسيم المعايير التي تستخدم لتطوير الخدمات المقدمة إلى خمسة معايير؛ وهي:
أ- هل تؤدي الشراكات بين القطاعين العام
والخاص للتمييز أو خلق زيادة في عدم المساواة؟
ب-هل تؤدي الشراكات إلى فرض رسوم إضافية أو
زيادة أسعار الخدمات؟
ت-هل يتم تنظيم ورصد الجهات الخاصة المقدمة
للخدمة بطريقة مقبولة؟
ث-هل تؤدي الشراكات بين القطاعين العام
والخاص إلى تقويض الطبيعة الإنسانية؟
ج- هل يتم مناقشة دور القطاع الخاص بما
يتماشى مع مبادئ الشفافية والمشاركة؟
إن
التحديات التي تؤدي إلى إعاقة الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي مشكلة، وفي
هذه التحديات حرمان للمشروعات والخدمات ذات الصلة من حماية الدولة. وهذا يؤدي إلى
تمييز في غير صالح المواطنين؛ بأن تكون ضد نوع خاص من أنواع الملكية؛ وهي ملكية
الأصول العامة للمواطنين؛ في حين أن الملكية العامة لها حماية.
ومن
الضروري اتخاذ نهج خاص وبيئة داعمة للشراكات بين القطاعين؛ علمًا بأن القوانين،
وكيانات الشراكات بين القطاعين؛ سوف يختلف من بلد إلى أخرى حسب ظروف كل اقتصاد؛
ومن الخبرة الدولية يتم حصر أهم البنود؛ وهي عبارة عن تحديات؛ وهي (نادر، وآخرين،
2023)
- لابد من الالتزام السياسي، ويكون هناك
إصلاحات واسعة النطاق لحل المشكلات على أسس الحوكمة الخاصة بالبيئة التحتية؛ حيث
لا يمكن للقوانين فقط أن تحل المشكلة.
- لابد في إطار إعداد الأطر القانونية
للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإنشاء كيانات لهذه الشراكة؛ أن يصاحب ذلك وضع
استراتيجيات وإصلاحات قطاعية؛ لضمان التأثير الإيجابي المطلوب، لاسيما لدى جهات
الشراء والتعاقد (الوزارات المعنية / الإدارات / الهيئات).
- أيضًا لابد أن يكون وضع الإطار القانوني
مصحوبًا بوضع ترتيبات مؤسسية، مع موارد وكوادر كافية، ودور واضح لوزارة المالية،
وجهات الشراء والتعاقد، وإيجاد فرص لبناء سلسلة قوية من المشروعات، وتسريع وتيرة
التنفيذ.
إن عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص من الآليات التي يمكن أن تنهض بالاقتصاد السعودي، وتزيد من فرص العمل على أسس اقتصادية؛ وخاصة بسبب زيادة التمويل، وبالتالي يمكن أن يكون ركيزة للاقتصاد، ويساهم في ازدهاره وتنوعه.
رابعًا: النتائج:
1- يستنتج الباحث فيما
يخص العلاقة بين التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ ما يلي:
أ- تعتبر الشراكة شكل من أشكال التخصيص
بالمعنى الواسع للمفهوم.
ب-
يسعى كل من التخصيص والشراكة إلى رفع الكفاءة العامة، وتحسين
جودة الخدمات المقدمة؛ ومن هذه الخدمات الخدمة الصحية العامة.
ت- يسعى كل من التخصيص والشراكة إلى تمكين أطراف غير حكومية، وزيادة
مساهمتها، وقدراتها.
ث- تعتبر عقود الشراكات بين القطاعين العام والخاص هي الأنسب لقطاع
الخدمات الصحية؛ بدلًا من التخصيص، أو نقل الملكية كليًا أو جزئيًا.
ج- تعتبر الشراكة نقل ملكية الأصل لفترة
معينة ثم تعود ملكيته إلى الدولة.
ح- عادة يكون في الشراكة تحمل للمخاطر لكل من
الطرفين، في سبيل تقاسم العوائد أو حسب العقد.
خ- تتميز الشراكة بين القطاعين العام والخاص
عن التخصيص بأن الجودة في تقديم الخدمات هي مسئولية مشتركة بين القطاعين العام
والأطراف الأخرى.
د- تفرض الدولة في الشراكة اشتراطات ومعايير
فنية معينة في جودة المنتج أو الخدمة؛ أما التخصيص فهو تحويل الملكية العامة إلى
ملكية خاصة، ويسعى إلى تقليل النشاط الاقتصادي للحكومة لصالح القطاع العام.
2- معنى ذلك أن التخصيص من حيث ملكية الأصول
ونقلها إلى القطاع العام يعتبر أشمل من الشراكة؛ في حين أن الشراكة تعتبر أهم من
التخصيص لأنها تحمل القطاع الخاص مسؤولياته أمام كل من الدولة والمجتمع في القيام
بالتمويل، وتكاليف التشغيل والصيانة، والإدارة؛ بالإضافة إلى التطوير للخدمات
وتجويدها؛ بحيث تحقق أهداف الشراكة الاقتصادية والاجتماعية، ويكون عقد الشراكة
لمدة محددة.
3- يؤدي ذلك إلى جعل
العلاقة بين الشراكة وبرنامج التخصيص يسودها الكثير من التناقضات؛ لأن الشراكة هي
جزء من برنامج التخصيص الأشمل، وفي نفس الوقت تحتاج إلى دراسة حساسية المشروعات
والخدمات التي يضطلع القطاع الخاص بها. فهي تحتاج إلى مراقبة ومتابعة وإدارة
اقتصادية من الدولة تتسم بالشفافية، والمسؤولية، وكلها أمور تؤدي إلى تحقيق برنامج
الشراكة لأهدافه.
4- تستفيد الدولة من الشراكة
ويستفيد القطاع الخاص بتعزيز قدراته أولًا ثم مطالبته بتحسين خدماته. وليس الهدف
الاستفادة من القطاع الخاص دون مسؤوليات من الدولة؛ بل إن مسؤولية الدولة في
الشراكة أكبر من التخصيص لأنها في الشراكة هي المشجعة للقطاع الخاص وتوفر البيئة الاقتصادية
الصالحة والتشريعات القانونية والإدارية المحفزة له على القيام بالتمويل وتحمل المخاطرة،
أي أن مسؤولية الدولة في الشراكة أكبر منها في حالة التخصيص.
5- توجد تحديات يجب
مواجهتها؛ حتى يؤدي برنامج التخصيص والشراكة الأهداف المرجوة.
الخلاصة
أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص هي استراتيجية ضمن برنامج التخصيص؛ حيث أن
التخصيص يحقق أهداف مهمة؛ خاصة في زيادة الكفاءة، وتحسين جودة الخدمات؛ ولكن
بصفتها نقل أصول الدولة إلى القطاع الخاص بدون استردادها تحتاج إلى بحث أكثر
تفصيلًا؛ بل إنه يعتبر من الحلول السهلة لحل مشاكل الحكومات. وبالتالي فقد تكون
شرًا في جانب منها. أما الشراكة فهي تعمل على تجنب الجوانب السيئة للتخصيص، وتحقق
أهداف البرنامج دون الاستغناء عن أصول الدولة، وفي نفس الوقت فإن إدارة الدولة
للاقتصاد تحتاج إلى أن تكون إدارة رشيدة بتطبيق الشفافية والمشاركة المجتمعية.
ولابد
من الأخذ بعين الاعتبار التزامات المالية العامة، والالتزامات الطارئة ذات الصلة،
وتعزيز قدرة الحكومة على إدارة عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
خاتمة:
من
الناحية الاقتصادية فإن اللجنة المكلفة بإدارة برنامج التخصيص في المملكة العربية
السعودية عليها أن تبذل قصارى جهدها لتجنب التعارض بين الأهداف التي قد يبدو بعضها
أنه تضارب عند تنفيذ برنامج التخصيص. وأن تعلم أن حجم المشروعات التي يديرها
المركز الوطني للتخصيص في إطار البرنامج عبارة عن مشروعات عامة ومؤسسات عديدة تهم
المواطنين وهي ملكية عامة تتضمن قطاع كبير من المباني والأصول والعقارات والأراضي
المنتشرة في أغلب المحافظات السعودية؛ ولا يزال المركز يسعى إلى حصر المشروعات،
ووضع أولويات لها في التخصيص والمشاركة منذ وقت طويل. ويحب أن تعلم اللجنة أن
الأهمية الاقتصادية للمؤسسات والمشروعات العامة دفعت صندوق النقد الدولي أن يخصص
لها جزء كبير في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، وأن السعودية في رؤيتها 2030 خصصت
جزء كبير لبرنامج التخصيص. قد تظن اللجنة أن الدساتير المعاصرة للدول لا تتضمن
نصوصًا عن مشاركة القطاعين العام والخاص، ولكن بمراجعة الدساتير في كثير من الدول
فأنها تتضمن نصوصًا عن شراكة القطاع الخاص، وكل هذه الدساتير تهدف إلى تمويل
القطاع الخاص للأصول، كما تتضمن كفالة حق القطاع الخاص في الشراكة في تملك وتطوير
أصول عامة تملكها الدول، وأن نظم التخصيص المعاصرة في الدول العربية تهتم بشراكة
القطاع الخاص، وهي محمية ومصانة من قبل الدول، ومنها قوانين التخصيص.
المراجع:
الكتب:
-
أمين، جلال (2019). فلسفة علم الاقتصاد: بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس
غير العلمية لعلم الاقتصاد، ط 5، القاهرة: دار الشروق.
- شحاتة، حسين (1422هـ =
2001م). الخصخصة في ميزان الإسلام، القاهرة: مكتبة التقوى.
- الربيعي، عبده محمد
(2004). الخصخصة واثرها على التنمية بالدول النامية، القاهرة: مكتبة مدبولي.
- السعيد، مصطفى (1423هـ =
2002م)، القاهرة: دار الشروق.
- هندي، منير إبراهيم
(1995). أساليب وطرق خصخصة المشروعات العامة (خلاصة الخبرات العالمية)،
القاهرة: المنظمة العربية للتنمية الإدارية.
دوريات علمية:
- الغامدي، سعيد (2023).
أثر خصخصة المنظمات الصحية على إنتاجية الموظفين في ظل رؤية 2030 (دراسة ميدانية
على مستشفى الملك عبد الله ببييشة)، المجلة الدولية لنشر البحوث والدراسات، 4(42)،
الصفحات 101-134. تم الاسترداد: من https://www.ijrsp.com/pdf/issue-42/4.pdf
- الشافعي، محمد (2011).
المشاركة بين القطاعين العـام والخـاص كوسيـلة لتمـويل مشروعـات البنيـة الأساسية
في مصر. مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، 53(2)، الصفحات 5-68. تم
الاسترداد من: https://jelc.journals.ekb.eg/article_228331_bcbed9aafac40d3bff8a1e5f2511b86f.pdf
- زروق، بن موفق؛ والطاهر، قادري
محمد (2019). تفعيل استراتيجية الشراكة بين القطاع العام والخاص كخيار لتحفيز
التنويع الاقتصادي على ضوء بعض التجارب الدولية، مجلة البديل الاقتصادي،
الصفحات 116-133. تم الاسترداد من: https://www.asjp.cerist.dz/en/article/78344
- عبد الرحمان، تسابت؛
وهواري، مولاي علي (2022). التجربة البريطانية في مجال الشراكة بين القطاع العام و
الخاص -قطاع الصحة، التعليم والنقل نموذجا-، مجلة المعيار، 12(2)، الصفحات
464-476. تم الاسترداد من: https://www.asjp.cerist.dz/en/article/180392
- عيسى، محمد (2018).
الشراكة بيـن القطاعيـن العام والخاص: المفهوم والأسباب والدوافع والصور، المجلة
العربية للإدارة، 38(3)، الصفحات 37-51. تم الاسترداد من: https://digitalcommons.aaru.edu.jo/cgi/viewcontent.cgi?article=1369&context=aja
- قاسم، سامي
(2023). إنقاذ الإقتصاد اليمني.. مجالات الشراكة بين القطاعين الخاص والعام في
اليمن، مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية YFCSS. تم الاسترداد من: https://yfcss.com/view/116
- نادر،
محمد؛ سالم، يارا؛ ايبانيز، ميكيل؛ وبرتوليني، لونزو (2023). كيف يمكن إنجاح
الشراكات بين القطاعين العام والخاص؟ مجموعة البنك الدولي. تم الاسترداد من: https://www.albankaldawli.org/ar/region/mena/brief/how-can-public-private-partnerships-ppps-be-successful
تقارير:
- التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام
2023. (2023)، تاريخ الاسترداد: أكتوبر، 2024، من: https://www.vision2030.gov.sa/ar/annual-reports
- البنك الدولي. (2023). دولة
اليمن: مدكرة اقتصادية 2022 "المستقبل: بارقة أمل
في أوقات قاتمة"، تم الاسترداد من: https://www.albankaldawli.org/ar/news/press-release/2023/05/30/world-bank-report-highlights-challenges-and-opportunities-for-yemen-s-economic-recovery-and-growth
- اليمن بين طفرتين اقتصاديتين في الخليج: نحو
شراكة أكثر استدامة (2024)، أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات، وحدة الدرسات
الاقتصادية. تم الاسترداد من: https://epc.ae/ar/details/featured/alyaman-bayn-tifratayn-aqtisadiatayn-fi-alkhalij
- تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، صندوق النقد
الدولي IMF،
2023، تم الاسترداد من: https://www.imf.org/ar/Blogs/Articles/2023/10/10/resilient-global-economy-still-limping-along-with-growing-divergences
مواقع ويب:
- المركز الوطني للتخصيص.
(2024). وصف برنامج التخصيص. تم الاسترداد من: المركز الوطني للتخصيص: https://www.ncp.gov.sa/ar/Pages/Privatization_Program_ppp.aspx
- برنامج تحقيق رؤية 2030:
برنامج التخصيص. (2024). تم الاسترداد من: رؤية 2030: https://www.vision2030.gov.sa/ar/explore/programs/privatization-program
- استراتيجية الخصخصة
السعودية. (2024). تم الاسترداد من: موقع الشركة السعودية لشراكات
المياه: https://www.swpc.sa/
- Barnet
Hospital. (n.d.). Retrieved: Oct.
31, 2024, from: LOST HOSPITALS OF LONDON:
https://ezitis.myzen.co.uk/barnetgeneral.html