البطالة في واقعنا المعاصر
تمهيد:
تعتبر البطالة مشكلة من أخطر المشاكل الاقتصادية
والاجتماعية... إن العاطل عن
العمل ليس لديه دخل، وهي مشكلة اجتماعية؛ حيث تؤدي إلى سخط العاطل عن العمل على
غيره، كما أنها خطر على الأسرة؛ حيث أن عائل الأسرة يفقد القدرة على تحمل
المسئولية، وتفقد الأسرة ككل الشعور بالاطمئنان؛ مما يؤدي إلى وضع اجتماعي يسوده
القلق والاضطراب، أيضا فهي خطر من الناحية الصحية؛ حيث يفقد العاطل عن العمل
الحركة، وهي خطر من الناحية النفسية...وهي خطر على الاقتصاد؛ نظراً لوجود طاقة
عاطلة؛ لم تستغل، كما أنها خطر على الأخلاق؛ لأن نتائجها تكون الانحراف والإجرام. وتبحث
النظرية الاقتصادية الكلية Macro-Economic Theory في مستوى النشاط الاقتصادي في المجتمع ككل؛
خاصة حجم العمالة الكلية، ومستوى الناتج (أو الدخل) القومي، والمستوى العام
للأسعار...وتوجد علاقة كبيرة بين الناتج القومي والعمالة. (أمين، 2019، ص 169-180)
تتعدد تعريفات البطالة؛ باختلاف الهدف من
البحث، أو باختلاف الدول. وفي هذا الإطار نشير بصفة عامة إلى أن العاطلين عن العمل
هم الأشخاص الذين هم في سن العمل، ولا يجدون عمل، وهم في ذات الوقت جاهزين للعمل،
ويسعون بالوسائل المتاحة لإيجاد عمل.
والحقيقة أن هذا التعريف هو تعريف شامل قد
يفيد أغراض البحث العلمي؛ حيث يمكن من المقارنة بين الدول؛ أكثر من التعريفات
الوطنية للبطالة. ويشتمل هذا التعريف على ثلاثة عناصر رئيسة، وهي: أن الشخص العاطل
لا يعمل، ويبحث بنشاط عن عمل، وهو متاح حالياً للعمل. ويؤدي هذا التعريف إلى
التفرقة بين البطالة الإجبارية، والبطالة الاختيارية.
البطالة الإجبارية هي التي تفرض، ولا اختيار
للشخص فيها؛ وهي لأسباب كثيرة؛ مثل عدم التأهيل العلمي والعملي لوظيفة معينة، أو
اندثار المهنة التي يعمل بها، وأسباب أخرى أما البطالة الاختيارية؛ فهي بطالة من
يقدرون على العمل ولكنهم يفضلون الراحة. (القرضاوي، 2001، ص 10). وما يعنينا هنا
هي البطالة الإجبارية؛ حيث ينطبق عليها الشروط الثلاثة السابق الإشارة إليها. تشير البطالة طويلة الأجل إلى الأشخاص الذين
ظلوا عاطلين عن العمل أكثر من أثنى عشرة شهراً، ومعدل البطلة بين الشباب تشير إلى
العاطلين عن العمل بين سن خمسة عشر عاماً، وأربعة وعشرين عاماً، كما يشير تعريف
معدل البطالة؛ على أنه القيمة المتوقعة لعدد العاطلين عن العمل؛ كنسبة مئوية من
القوى العاملة.
ويتم
تعريف القوة العاملة بأنها مجموع العاملين وعدد العاطلين عن العمل. ومن ضمن
الحقائق أن بعض الأشخاص الباحثين عن العمل؛ قد يصابون بالإحباط من إيجاد فرصة عمل،
ويتوقفون عن البحث عن العمل؛ فيتم استبعادهم من القوى العاملة.[1] نتناول في هذه المقال واقع البطالة في العالم الغربي،
وفي العالم العربي، وفي اليمن.
أولاً: واقع البطالة
في العالم الغربي:
بالنسبة للعالم الغربي؛ يتم قياس مؤشر معدل البطالة Unemployment rate؛
بأعداد العاطلين عن العمل كنسبة مئوية من القوى العاملة، ويتم تعديله موسمياً؛ عن
طريق مسوحات القوى العاملة labour force
surveys (LFS). وبالنسبة للاتحاد
الأوروبي على وجه الخصوص؛ حيث لا تتوفر معلومات شهرية عن مسح القوى العاملة؛ فيتم
تقدير أرقام البطالة الشهرية من قبل يوروستات [2].Eurostat
إن لتطورات سوق العمل أهمية بالغة في العالم الغربي؛
فإذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية في الأجل القصير؛ فإن الأرجح أن تقوم الشركات بتغيير
مسارها وتقليص الوظائف بشكل كبير. وفي حالة تعافي الاقتصاد بزيد التشغيل، ويزيد
الناتج، إلا أن في حال انخفاض إنتاجية العمالة - وهي مقدار الناتج لكل ساعة عمل -
يكون الاتجاه في المدى المتوسط إلى انخفاض الناتج الإجمالي.
♦ الناتج
المحلي الحقيقي والبطالة:
يشير الجدول التالي إلى أحدث توقعات النمو في
العالم الغربي؛ طبقاً لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي، 2023:
إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، التغير السنوي (%) توقعات
|
|
2022 |
2023 |
2024 |
|
الناتج العالمي |
3.5 |
3.0 |
2.9 |
|
الاقتصادات المتقدمة |
2.6 |
1.5 |
1.4 |
|
الولايات المتحدة |
2.1 |
2.1 |
1.5 |
|
منطقة اليورو |
3.3 |
0.7 |
1.2 |
|
المملكة المتحدة |
4.1 |
0.5 |
0.6 |
|
كندا |
3.4 |
1.3 |
1.6 |
المصدر: صندوق النقد الدولي IMF، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، 2023[3]
يشير الجدول إلى أن التوقعات للتغير السنوي
لإجمالي الناتج المحلي الإجمالي هي الاتجاه نحو الانخفاض. وبالتالي المتوقع زيادة
معدلات البطالة؛ حيث يمكن أن نستنتج من الجدول مدى العلاقة بين التغير السنوي في
إجمالي الناتج المحلي الحقيقي وتغير معدل البطالة؛ حيث سجل معدل البطالة في منطقة
اليورو نسبة 6.4% من القوى العاملة في حزيران/يونيو 2023؛ وهو أدنى مستوى تاريخياً
للشهر الثالث على التوالي؛ وذلك طبقاً لبيانات يروستات[4].
كما انخفض معدل البطالة بنسبة 0.3% عن حزيران/يونيو 2022. ونجد في نفس الوقت أن
تقدير التغير السنوي في إجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو عام 2023 بلغ 0.7%. أيضاً
المملكة المتحدة المتوقع تحقيق 0.5%، 0.6% تغير سنوي في إجمالي الناتج المحلي
الحقيقي عامي 2023، 2024 على التوالي.
وتشير البيانات الإحصائية أن معدل البطالة
بلغ في مجمل الاتحاد الأوروبي 5.9% في حزيران/يونيو 2023؛ لتبقى عند المستوى ذاته
للشهرين السابقين عليه. وسجل معدل البطالة في أوروبا تراجعاً ملحوظاً؛ بسبب
الانتعاش الاقتصادي؛ بعد فترة الانكماش؛ نتيجة تفشي وباء كوفيد-19.
وبسبب جائحة كوفيد-19 نجد أن معدل البطالة
ارتفع في الاقتصادات المتقدمة إلى 6.6% تقريباً عام 2020 مقارنة بمعدل 4.8% عام
2019. وفي الولايات المتحدة الأمريكية ارتفع معدل البطالة من 3.7% عام 2019 إلى
8.1% عام 2020. وفي منطقة اليورو ارتفع معدل البطالة من 7.6% عام 2019 إلى 7.9%
عام 2020. وفي المملكة المتحدة ارتفع معدل البطالة من 3.8% عام 2019 إلى 4,5% عام
2020.
أي أن معدلات البطالة في العالم الغربي تراوحت
بين 5.9%، 6.4% عام 2023. أما عام 2020 فقد ارتفعت معدلات البطالة ارتفاعاً
استثنائياً، والجدير بالذكر أن العالم الغربي قام بسياسات مالية ونقدية للمحافظة
على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛ بسبب زيادة معدلات البطالة؛ مثل صرف إعانات
بطالة، وإعطاء مهل للديون، وإعانة الشركات؛ حتى لا تسرح العمال، وتم تخفيض معدلات
الفائدة إلى أدنى مستويات؛ حتى يتم دفع المشروعات والخروج من الانكماش.
أما المتوسط العالمي لمعدل البطالة يبلغ نحو 6%
تقريباً، وهو يشمل كل دول العالم المتقدم، والعالم الغربي، والنامي، والاقتصادات
الناشئة.
ثانيا: واقع البطالة في العالم العربي:
إن البطالة تعد أحد بعدي انخفاض مستوى
المعيشة فهي؛ بجانب مشكلة الفقر يمثلان بعدي انخفاض مستوى المعيشة؛ التي تتصف بهما
الكثير من الدول العربية.
♦ أسباب وخصائص البطالة في العالم العربي:
توجد عدة أسباب للبطالة في الدول العربية؛ وهي: (ساحل،
محمد وآخرين، 2018، ص 105، 106).
- ارتفاع معدل النمو السكاني في الدول العربية.
- تراجع قدرة القطاع العام على التشغيل.
- إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في الدول العربية.
- استمرار تدفق العمالة الأجنبية الوافدة.
- ارتفاع معدل نمو العمالة العربية مقارنة بمعدل نمو الناتج الوطني.
- توجه العديد من المؤسسات إلى استخدام رأس المال التقني.
- مستويات التعليم؛ وعلاقتها بسوق العمل.
- تجميد رؤوس الأموال العربية لدى البنوك العالمية بالدول الغربية.
- عدم استعداد بعض الشباب للقيام ببعض الأعمال المهنية والحرفية؛ دون الأعمال
المكتبية والإدارية.
- الخلافات السياسية بين بعض الدول العربية.
أما خصائص البطالة في الدول العربية؛ فهي:
- تدني المستويات التعلمية لدى العاطلين عن العمل – بطالة بسبب انخفاض
المستويات التعليمية. وهذا العنصر من الأهمية بمكان؛ حيث يوضح أن هناك فجوة بين
النظام التعليمي في غالبية الدول العربية، واحتياجات سوق العمل؛ خاصة مع التطور
التقني الكبير؛ الذي يستلزم نوعيات مختلف من الكفاءات لسوق العمل تستطيع القيام
بالأعمال التي تتطلب مهارات تكنولوجية عالية؛ لتستطيع المنافسة في سوق العمل،
وتستطيع الدولة ككل أن تنافس في الأسواق العالمية.
- أيضاً من الخصائص أن البطالة بين الشباب؛ وهي نتيجة
منطقية؛ لتزايد النمو السكاني، مع الركود في النشاط الاقتصادي في الكثير من الدول،
مع زيادة التقدم التكنولوجي، واحتياج سوق العمل لمهارات معينة، واحتياج ذلك لتدريب
على تلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
وبتقييم الأسباب التي ذكرتها الدراسة
السابقة، نجد أنه بالنسبة لاستخدام رأس المال التقني؛ فإنه لا مفر من ذلك؛ لأن
التطور التكنولوجي لا يمكن وقفه؛ بل لابد من كفاءات وطنية قادرة على التعامل معه،
بل والمساهمة في تطويره عالمياً. أما العنصر الخاص بعلاقة البطالة بانخفاض النمو
الاقتصادي؛ حيث أثبت الواقع أن زيادة النمو الاقتصادي لا يضمن تحقيق معدلات تشغيل
عالية في الدول التي تحتاج إلى إعادة هيكلة الاقتصاد. ولابد أن تهدف السياسات إلى
زيادة التشغيل مع رفع مستوى المعيشة؛ لمحاربة مشكلة الفقر، ولا يتم مجرد الاعتماد
على زيادة معدل النمو الاقتصادي؛ لزيادة التشغيل. وللصيغ الإسلامية في الاستثمار
دور رئيس في زيادة التشغيل. كما سنتناوله بشيء من التفصيل في الجزء الخاص بواقع
البطالة في اليمن.
على الرغم من أن الكثير من الدول العربية لا
تتوفر فيها بيانات صحيحة وكاملة؛ فإن مظاهر الضعف في بعض تلك الاقتصاديات تكون
مشتركة؛ حيث أن من مظاهر الضعف: ركود النشاط الاقتصادي، ونقص السيولة، وارتفاع
معدل البطالة. ونجد في كثير من الدول العربية نسب مبالغ فيها في النمو الاقتصادي.
إن الركود يعني سلبية في معدلات النمو، ومن
أهم مظاهر ذلك ارتفاع معدلات البطالة، وغلق كثير من المصانع، أو انخفاض معدل
استخدامها لطاقاتها؛ حيث يؤكد الواقع ذلك في كثير من الدول العربية. ونجد في
الغالب نشر معدلات غير دقيقة عن البطالة وعدد المصانع التي أغلقت، أو انخفض معدل
استخدامها لطاقاتها؛ وتوجد مظاهر عديدة أخرى؛ غير البطالة وغلق المصانع.
أيضاً من مظاهر الضعف في بعض الدول العربية
نقص السيولة؛ وهو لا يتوقف على كمية النقود المصدرة وحسب، سواء في ذلك النقود
المصدرة أو نقود الائتمان أو أرصدة العملات الأجنبية أو الأرصدة النقدية
الاحتياطية لدى الشركات. بل يتوقف على
قدرة النظام المصرفي على الإقراض؛ فقد يكون النظام المصرفي غير قادر على الإقراض
في حالة وصول حجم الإقراض إلى السقف المسموح به؛ بسبب أنه قام بإعطاء قروض ضخمة
للأفراد والشركات؛ ولم يتم السداد في المواعيد التي تم الافاق عليها. أو بسبب أن
يكون هناك تخوف من الإقراض؛ بسبب انتشار حالات التعثر أو الإفلاس أو حتى الهرب إلى
خارج البلاد (السعيد،
2002، ص 49). يضاف إلى كمية النقود المصدرة سرعة تداول النقود؛ لأن مجرد إصدار النقود
لا يعني أنها تدفقت في شرايين الاقتصاد وفي الاتجاه والكفاءة المطلوبة؛ لأنها قد
تتجه إلى الاكتناز، أو تتسرب إلى تحويلات خارجية.
♦ العلاقة بين النمو الاقتصادي والبطالة في
بعض الدول العربية:
من أهم المشاكل التي توجد في الدول العربية
بالنسبة لمشكلة البطالة؛ هو إهدار أهم عنصر في الاقتصاد القومي؛ وهو عنصر الموارد
البشرية. ومن ضمن المشاكل عند نشر إحصاءات البطالة في بعض الدول العربية؛ هو
التعريفات الضيقة للغاية عند تحديد بعض السلطات المسئولة عن نشرها لمن يُعَدُّ في
حالة بطالة.
وعادة يتم وصف المشكلة الاقتصادية؛ بأنها
تتمثل في انخفاض النمو الاقتصادي؛ وبالتالي فإن ارتفاع النمو الاقتصادي يحل مشكلة
البطالة، وهو إجمال مخل إلى حد بعيد.
وكثير من الأحيان نجد بعض الدول العربية حققت
نمواً اقتصادياً كبيراً، ورغم ذلك تعاني من نسب بطالة مرتفعة. إن النمو الاقتصادي
لا يحقق تنمية اقتصادية واجتماعية تعمل على تحسين مستوى المعيشة؛ إلا إذا اقترن بسياسات
وبرامج تستهدف تحقيق عدالة وتوازن للاقتصاد القومي، وعمل توازن سليم بين تحقيق
النمو الاقتصادي السريع، وتوفير الحد الأدنى من الأمان أو العيش الكريم. ويعتبر
التشغيل هو الركن الأهم في أي برنامج اقتصادي في الدول العربية؛ لأن العمل هو
الضمان الاجتماعي الفاعل؛ وهو حق للمواطن العربي، ولا يمكن ترك ذلك للنظرية
الاقتصادية؛ التي تفترض أن زيادة معدل النمو الاقتصادي سوف يؤدي إلى زيادة
التشغيل.
ويشير الجدول التالي إلى معدلات البطالة كنسبة من القوى العاملة في الدول
العربية، وإلى بعض المؤشرات التي لها علاقة بتطور معدل البطالة:
|
العــــــــام البيــــــــــــــــــــان |
2018 |
2019 |
2020 |
2021 |
|
القوى العاملة (بالمليون نسمة) |
131 |
134 |
139.8 |
47.6%[5] |
|
معدل البطالة |
10% |
15.9% |
12.7% |
11.3% |
|
معدل تغير الناتج المحلي الإجمالي السنوي (بالأسعار الثابتة) |
2.6% |
1.5% |
-5.5% |
3.9% |
|
نسبة مساهمة القيمة
المضافة للقطاع الزراعي في الناتج |
4.5% |
4.8% |
5.7% |
5.4% |
المصدر: من إعداد الباحث؛ بالاعتماد على
تقارير صندوق النقد العربي (التقارير الاقتصادية الموحدة) [6]؛
للأعوام: (2019، 2022،2021،2020).
تشير الإحصاءات الواردة في الجدول إلى ما يلي:
- إن نسبة القوى العاملة (من إجمالي السكان) عام 2021
بلغت 47.6%. في حين بلغ معدل البطالة 11.3%. أما معدل تغير الناتج المحلي الإجمالي
السنوي (بالأسعار الثابتة) 3.9%، وهو يختلف عن معدل تغير الناتج المحلي الإجمالي
السنوي بالأسعار الجارية، وهو نفسه معدل النمو، أما نسبة مساهمة القيمة المضافة
للقطاع الزراعي في الناتج بلغت 5.4%. ويلاحظ
على معدل البطالة أنه تذبذب بين 10%، 11,3%، بين عامي 2018، 2021. وكان أعلى معدل
بطالة عام 2019؛ 2020 حيث بلغت 15.9%، 12.7% على التوالي.
- يشير أيضاً معدل البطالة إلى انخفاض تدريجي منذ عام
2019؛ حيث بلغ 15.9%، 12.7%، 11.3% في الأعوام 2019، 2020، 2021 على التوالي.
وتفسير ذلك؛ أنه نتيجة انحصار وباء كوفيد-19، واسترداد بعض اقتصاديات الدول
العربية لعافيتها، خاصة الدول النفطية، بعد فترة انكماش اقتصادي تاريخية، نتيجة
انتشار الوباء، والذي صاحبه كثير من الإجراءات؛ مثل: حظر التجوال، والغلق، ومنع
السفر، وانخفاض أسعار النفط؛ حيث تم تخفيف هذه الإجراءات جزئياً، وارتفعت أسعار
النفط، وعادت كثير من الأنشطة الاقتصادية.
- أيضاً بالنسبة لمعدل تغير الناتج الإجمالي المحلي
السنوي، وهو نفسه معدل النمو؛ فقد كان سالب 5.5% عام 2020 بسبب الوباء، ثم بلغ
نسبة 3,9% عام 2021.
- يلاحظ وجود علاقة بين معدل البطالة المرتفع عام 2019،
وحدوث انخفاض كبير في معدل النمو عام 2020.
- أما القوى العاملة؛ فهي ترتفع طبيعياً بالتدريج نتيجة
ارتفاع عدد السكان.
- كما أن نسبة مساهمة القيمة المضافة للقطاع الزراعي فهي
متواضعة جداً؛ وهو من أسباب اعتماد الدول العربية على الخارج في كثير من المواد
الغذائية الرئيسة. وهي مشكلة رئيسة، وتؤثر على معدل البطالة بطريق غير مباشر.
- تعتبر معدلات البطالة في الدول العربية؛ خاصة الدول
الغير نفطية؛ هي الأعلى على مستوى العالم؛ حيث يبلغ المتوسط العالمي لمعدل البطالة
6% تقريباً. ويتزايد معدل البطالة في الدول العربية غير النفطية بين الشباب؛ ما
بين 15، 24 سنة.
وأجمعت تقارير صدرت خلال العام الحالي[7]؛ عن خبراء
اقتصاديين عالميين؛ من: صندوق النقد الدولي، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية
والاجتماعية لغربي آسيا المعروفة بـ(إسكوا)؛ أن الواقع الاقتصادي العربي في الدول
العربية غير النفطية، وضعاً سيئاً، ولا يبدو هناك تحسناً في المستقبل؛ إذا لم
تتوفر سياسات وطنية ناجحة...
وباستثناء دول مجلس التعاون الخليجي وليبيا؛
فإن مستويات الفقر ارتفعت في العالم العربي عام 2022؛ مقارنة بالأعوام السابقة،
وبات ثلث المواطنين العرب يعيش تحت خط الفقر؛ ويعتبر ارتفاع معدل البطالة هو السبب
الرئيس في مشكلة الفقر.
أما بالنسبة للدول النفطية؛ فقد ارتفع معدل
البطالة في المملكة العربية السعودية إلى 7.4% عام 2020 بسبب جائحة كوفيد-19؛ حيث
حققت السعودية انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي؛ بسبب الجائحة؛ أكثر من بقية
دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي (البنك المركزي السعودي 2021، ص 58)؛ والسبب
الرئيس هو انخفاض أسعار النفط. أي أن مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ وأهمها معدل البطالة
يرتبط في الدول النفطية بالسوق العالمي للنفط. وهي من ضمن ملامح الاقتصاد العربي.
ثالثاً: واقع البطالة في اليمن:
إن الإصلاحات الهيكلية اللازمة؛ ولا سيما في
الاقتصادات النامية والصاعدة؛ تمثل فيها السياسات المالية، أو الحيز المالي عاملاً
مهماً. ويكتسب ذلك أهمية خاصة؛ نظراً لانخفاض نصيب الفرد من الدخل، وتراجع آفاق
النمو على المدى المتوسط.
وتشهد الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل
تباطؤاً أشد حدة مقارنة بالاقتصادات مرتفعة الدخل. وبعبارة أخرى، فإن احتمالات
اللحاق بالاقتصادات ذات مستويات المعيشة الأعلى قد تراجعت تراجعاً ملحوظاً. وفي
الوقت نفسه، فإن ارتفاع مستويات الدين يمنع كثيراً من الاقتصادات منخفضة الدخل
والاقتصادات الواعدة من تنفيذ الاستثمارات التي تحتاجها للنمو بوتيرة أسرع، مع
زيادة مخاطر الوقوع في حالة المديونية الحرجة (جورينشا، 2023).
♦ أبعاد مشكلة البطالة في اليمن:
توجد تحديات كثيرة تواجه الاقتصاد اليمني،
وفي نفس الوقت توجد فرص متاحة لتحقيق تعافي ونمو اقتصادي. وبلغ معدل البطالة في
اليمن 13.6% عام 2022، وترتفع هذه النسبة؛ لتصل إلى نحو 24% بين الشباب اليمني.
وهو ما يؤدي إلى أهمية بحث جوانب مشكلة البطالة في اليمن.
مع نشوب الحرب في اليمن عام 2014 كان
الاقتصاد اليمني يعاني من أوجه ضعف كثيرة. ومع أزمة جائحة (كوفيد-19) ارتفعت
الأسعار العالمية للغذاء، والطاقة. وكانت مؤشرات الإنتاجية ضعيفة قبل نشوب الحرب،
وزادت ضعفاً مع اشتداد العنف. كما تضرر إنتاج النفط الذي يعتمد عليه الاقتصاد
اليمني. كما أثر على الخدمات الحكومية؛ وزاد معدل البطالة؛ خاصة بسبب قلة التوظيف
في القطاع العام. كما لا تصرف رواتب موظفي الخدمة المدنية؛ إلا بصورة جزئية أو
بشكل متقطع.
وفي تقرير للبنك الدولي؛ لإبراز التحديات
والفرص في سبيل تعافي الاقتصاد اليمني[8].
أفاد التقرير بأن الصراع في اليمن أدى إلى انكماش بنحو 50% من إجمالي الناتج
المحلي الحقيقي بين عامي 2011، 2022. وأهم مظاهر ضعف الاقتصاد في اليمن؛ هي:
-
ارتفاع التضخم.
-
ارتفاع معدل البطالة، وتدني جودة التوظيف.
-
عدم استقرار القطاع العام.
وقد أثر ذلك على تكاليف المعيشة، وأدى إلى
انخفاض مستويات المعيشة، وأدى إلى تحول أنماط الإنتاج الزراعي من المحاصيل
الغذائية إلى المحاصيل النقدية.
ومع ذلك توجد فرص تتمثل في نظام اللامركزية
في اليمن؛ فهو فرصة للنمو في المستقبل. أيضاَ فإن العمل في اليمن يتميز بروح العمل
الحر، وبالتالي فإن إيجاد صيغ لتمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر يعتبر
فرص متاحة في الاقتصاد اليمني؛ لإخراجه من أزمته الحالية. ويتمتع اليمن بإمكانيات
اقتصادية؛ خاصة في التصنيع الزراعي، وإنتاج الصناعات التحويلية الخفيفة وصادراتها.
إن الاقتصاد اليمني يحتاج إلى التحول من حالة
عدم اليقين إلى تبني سياسات وابتكار آليات عمل جديدة.
ويجدر بنا الإشارة إلى أن صيغ تمويل الاستثمار
في المنهج الاقتصادي الإسلامي تعتبر من الصيغ التي يمكن أن تسهم في علاج مشكلة
البطالة؛ بإقامة مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر؛ عن طريق التمويل باستخدام تلك
الصيغ.
تقع مسئولة تنفيذ صيغ الاستثمار في الإسلام على
الأفراد (الناس) أساساً؛ ووفقاً لتعاملات أو تصرفات محددة؛ وتشمل: المعاوضات
المالية (البيع والإجارة والاستصناع)، والمشاركات (العنان، والمفاوضة، والأعمال أو
الصنائع، والوجوه، والمضاربة، والمزارعة والمساقاة)؛ وهي تقدم نماذج عملية وعادلة
للاستثمار في الإسلام.
وعلى سبيل الإيجاز؛ يمكن أن نبين بعضاً من
أشكال المشروعات؛ التي يمكنها تشغيل عمالة، وتقليل البطالة؛ ومنها: (لاشين، 2009،
ص 184، 185)
-
إقامة مشروعات تجارية، أو صناعية، أو خدمية
بشرط توفر التمويل اللازم.
-
المشاركة مع آخرين بنظام الشركات؛ بكل صورها.
-
المساهمة في المشروعات التعاونية.
-
التمويل لمشروعات اقتصادية بنظام المشاركة.
-
تعديل نظام وأسلوب عمل البنوك وجهات الادخار،
والتوفير إلى ان تكون ملتزمة بتطبيق عقد المضاربة الشرعي.
-
يمكن أن يتم التمويل عن طريق عقد المرابحة
الشرعي وبعقد الاستصناع.
ويمكن الرجوع إلى المؤلفات المتخصصة شرعاً
وقانوناً.
وتعتبر الصيغ التمويلية الإسلامية من
الآليات؛ التي يمكن أن تنهض بالاقتصاد اليمني، وتزيد من فرص العمالة؛ خاصة لتمويل المشروعات
الصغيرة والمتناهية الصغر؛ التي بمقدورها أن تكون ركيزة لتحول الاقتصاد إلى حالة
اليقين.
قائمة المراجع
1- البنك الدولي 2023. دولة اليمن مكرة اقتصادية 2022 "المستقبل:
بارقة أمل في أوقات قاتمة". https://www.albankaldawli.org/ar/news/press-release/2023/05/30/world-bank-report-highlights-challenges-and-opportunities-for-yemen-s-economic-recovery-and-growth
2- البنك المركزي السعودي. 1442هـ/ 2021م. التقرير السنوي السابع والخمسين
لعام 2020. https://www.sama.gov.sa/ar-sa/news/pages/news-680.aspx
3- السعيد،
مصطفى. 1423هـ/ 2002م. الاقتصاد المصري وتحديات الأوضاع الراهنة: مظاهر الضعف –
الأسباب – العلاج. القاهرة: دار الشروق.
4- القرضاوي،
يوسف. 1422هـ/ 2001. دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية. القاهرة: درا
الشروق.
5- أمين،
جلال. 2019. فلسفة علم الاقتصاد: بحث في تحيزات الاقتصاديين وفي الأسس غير
العلمية لعلم الاقتصاد. القاهرة: دار الشروق.
6- جورينشا،
بيير-أوليفييه. 2023. الاقتصاد العالمي لا يزال على المسار الصحيح لكنه لم يخرج من
المأزق بعد. صندوق النقد الدولي IMF.
https://www.imf.org/ar/Blogs/Articles/2023/07/25/global-economy-on-track-but-not-yet-out-of-the-woods
7- صندوق
النقد العربي. 2022. التقرير الاقتصادي الموحد 2022. https://www.arabfund.org/Default.aspx?pageId=396
8- ساحل، محمد؛ تقات، عبد الحق؛
مناصرية، رشيد. 2018. دراسة لبعض محددات البطالة في الدول العربية – باستخدام
طريقة التحليل بالمكونات الرئيسية-. مجلة العلوم الإنسانية. ع50: 103 - 114. https://www.asjp.cerist.dz/en/article/67510
9- لاشين، فتحي السيد. 2009. فوائد البنوك بين الاستغلال
الربوي والاستثمار الإسلامي: دراسة تاصيلية للنظامين الربوي والإسلامي شرعياً
وقانونياً ومصرفياً. الجيزة: البصائر للبحوث والدراسات.
10- يحيى، حسان. 2021. أثر البطالة
على النمو الاقتصادي في الجمهورية اليمنية (دراسة قياسية خلال الفترة 1991 –
2019). مجلة العلوم التربوية والدراسات الإنسانية 8(19): 514-536.
مواقع ويب:
OECD Data , https://data.oecd.org/unemp/unemployment-rate-forecast.htm#indicator-chart
OECD Data,
Unemployment rate, https://data.oecd.org/unemp/unemployment-rate.htm
- معدل
البطالة في منطقة اليورو يبقى مستقرا عند أدنى مستوياته التاريخية،
- كيف تواجه الدول العربية ارتفاع نسب التضخم
والبطالة والفقر في عام 2023؟، https://www.bbc.com/arabic/interactivity-64231092
[2] OECD Data, Unemployment rate, https://data.oecd.org/unemp/unemployment-rate.htm
[3] صندوق النقد
الدولي IMF، تقرير آفاق الاقتصاد
العالمي، ، 2023 https://www.imf.org/ar/Blogs/Articles/2023/10/10/resilient-global-economy-still-limping-along-with-growing-divergences
[4] معدل
البطالة في منطقة اليورو يبقى مستقرا عند أدنى مستوياته التاريخية، ,swissinf.ch
https://www.swissinfo.ch/ara/afp/%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D8%B1%D9%88-%D9%8A%D8%A8%D9%82%D9%89--%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A3%D8%AF%D9%86%D9%89-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9/48704250
[5] تم حساب نسبة
القوى العاملة (من إجمالي السكان) في عام 2020 في تقرير عام 2022.
[6] الصندوق العربي
للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي، https://www.arabfund.org/Default.aspx?pageId=396
[7] كيف تواجه الدول
العربية ارتفاع نسب التضخم والبطالة والفقر في عام 2023؟، https://www.bbc.com/arabic/interactivity-64231092
[8] البنك الدولي.
2023. دولة اليمن: مدكرة اقتصادية 2022 "المستقبل: بارقة أمل في أوقات قاتمة". https://www.albankaldawli.org/ar/news/press-release/2023/05/30/world-bank-report-highlights-challenges-and-opportunities-for-yemen-s-economic-recovery-and-growth