الميثاق الأخلاقي لرجل الأعمال من القرآن والسنة
الميثاق هو العهد والتحالف والبيعة والأمانة.
يقول الله عز وجل:
- ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ﴾ (المائدة: 7).
- ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ﴾ (الرعد: 20).
وفي مجال الاقتصاد والإدارة؛ فإن المقصود بالميثاق الإسلامي لقيم المُنظم أو رجل الأعمال أنه العهد الذي يأخذه على نفسه بالالتزام بمجموعة من القيم المحددة –إيمانية وأخلاقية وسلوكية وفنية-، والتي تعتبر مرشداً وموجهاً له، وأساساً لتقييم أدائه ومحاسبته عند التقصير والتعدي.[1]
ويقصد بالقيم: المعايير التي
يجب أن يؤمن بها الإنسان، وتكون مقصداً وهدفاً ودستوراً له في حياته، وتعتبر
المقياس الذي يقاس به إيمانه وسلوكياته، كما تستخدم كأداة يتم بها تقويم الأداء، وبالتالي
فإن القيم هي نفسها المعايير[2].
وكان الذين يدخلون الإسلام يعطون الميثاق والعهد والبيعة
على الالتزام بفرائض وتعاليم الإسلام. ومثال ذلك بيعتا العقبة الأولى والثانية.
وفي ميثاق التحالف الإسلامي؛ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموجب هذا الميثاق؛ بعقد المؤاخاة بين المؤمنين، وقام صلى الله عليه وسلم بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازا ت في الجاهلية، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يكون هذا الكتاب ميثاقاً بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، وتضمن هذا الميثاق عدة بنود...
وبهذه الحكمة والتدابير أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد مجتمع جديد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد الصحابة بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والشرف والطاعة والعبادة[3].
إن الإلتزام بالميثاق الأخلاقي لرجال الأعمال يقوم على العديد من البواعث التي تدفع إلى الإلتزام به؛ منها ما يلي:
(1)
– الباعث الإيماني الأخلاقي:
يؤمن رجل الأعمال بأن الله سبحانه
وتعالى قد وضع له شريعة تحقق له الحياة الكريمة من التزم بها فلا يضل ولا يشقى، ومن
أعرض عنها فإن له معيشة ضنكاً، وأن البركة والفلاح في الدنيا والآخرة مقترن
بتطبيق شرع الله، ودليل ذلك قول الله عز وجل )فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ
هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)( (سورة طه)، وعندما أمر الله تبارك وتعالى بترك المعاملات الربوية قرن بين الإيمان والتقوى
وبين تجنب الربا، فقال سبحانه وتعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ( (سورة البقرة :278) .
وتأسيساً على ذلك كلما زاد
الإيمان وقوي في القلب كلما ازداد التزام المسلم بشرع الله في معاملاته إيماناً
منه بتحقيق البركات والثواب من الله.
كما ينظر إلى القيم الإيمانية والأخلاقية باعتبارها معايير ذاتية يجب أن يؤمن بها الإنسان.
(2)
– الباعث الذاتي.
يوقن رجل الأعمال بأن الله عز وجل مطلع عليه، فلا
تخفى عليه سبحانه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وعندما يُقدِم رجل الأعمال على أي عمل أو معاملة يستشعر مراقبة الله له، فيمتنع عن ما نهى الله عنه،
ويُطلَق على هذا الباعث أحياناَ "مراقبة الضمير"، أو المراقبة الذاتية، ودليل هذا الباعث من القرآن الكريم هو قول الله عز وجل: )أَلَمْ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ
وَلاَ
خَمْسَةٍ
إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن
ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ
هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ
القِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (
المجادلة : 7) .
وتأسيساً على ذلك يكون الباعث
الذاتي حافزاً ودافعاً قوياً على المراقبة الذاتية التي تحقق الالتزام بقيم وضوابط
المعاملات الاقتصادية.
(3)
– الباعث
النفسي.
النفس التقية الورعة تطمئن عند القيام
بالمعاملات وفق شرع الله عز وجل، وتضطرب عند القيام بمعاملات تخالف شرع الله عز
وجل، ولا تهدأ إلا بعد التوبة والاستغفار، ودليل هذا الباعث من كتاب الله عز وجل: )وَنَفْسٍ
وَمَا
سَوَّاهَا (7)ٌ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9)( (سورة الشمس)، وقوله تبارك وتعالى: )وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ( ( البلد: 10)، والدليل من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك
إلى مالا يريبك" (الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح)، وعندما
سئل صلى الله عليه وسلم عن البر: قال صلى الله عليه وسلم: " استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه
النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر وإن أفتاك
الناس وأفتوك" (رواه أحمد).
وتأسيساً على ذلك عندما يقبل
رجل الأعمال على أي معاملة يقف مع نفسه ويسأل هل تقع في مجال الحلال ليقدم عليها أم تقع
في مجال الحرام فينتهي عنها.
(4)
– باعث المسئولية الاجتماعية.
رجل الأعمال جزء من المجتمع، عليه مسئولية الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليه أن يكون إيجابياً يقدم النصيحة إلى إخوانه ويقبلها منهم، ودليل هذا الباعث من الكتاب قول الله سبحانه وتعالي: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( (التوبة:71)، وقوله عز وجل: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون( ( آل عمران: 104)، والدليل من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله، قال: لله ورسوله ولائمة المسلمين وعامتهم" (رواه أبو داود عن تميم الداري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري).
وهذا الباعث يدفع رجل الأعمال إلى الالتزام بالميثاق باعتباره راعياً ومسئولاً عن رعيته، وحتى لا يكون محل لوم من المجمتمع؛ الذي هو عضواً فيه، وهذا هو باعث المسئولية الاجتماعية.
(5)
– باعث الخوف من عقاب السلطان.
تقوم الدولة الإسلامية على وجود حكومة (ولي الأمر أو السلطان ) ترعى تطبيق شرع الله في كافة نواحي الحياة ويكون لها من الأجهزة التشريعية والتنفيذية ما يمكنها ذلك في ضوء القوانين ذات المرجعية الإسلامية، ويجب على رجل الأعمال أن يلتزم بتلك القوانين حتى لا يقع تحت طائلة التعزيرات والعقاب، ودليل هذا الباعث من كتاب الله عز وجل: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ( الحديد:25)، وقوله سبحانه وتعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( ( النساء: 59)، والدليل من السنة النبوية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلاّ أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما)، ولقد ورد في الأثر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله: "إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن"، وكان نظام الحسبة من بين أجهزة الحكومة التنفيذية في صدر الدولة الإسلامية، الذي كان يراقب الأسواق ويتأكد من التزام المتعاملين بقوانين الدولة ذات المرجعية الإسلامية.
هذا الباعث يدفع رجل الأعمال للإلتزام بميثاق الأخلاق؛ خشية من أن تقوم الدولة أو السلطان من أن توقع عليه عقوبات؛ طالما ذلك ليس في معصية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(6)
– باعث الإنتماء إلى مهنة الأعمال.
يوقن رجل الأعمال بأنه ينتمي إلى مجال الأعمال، ويأخذ على نفسه العهد والميثاق بأن يلتزم بكل مواثيق ونظم ولوائح وقرارات قطاع الأعمال الذي يعمل فيه.
وبهذه البواعث فإن رجل الأعمال باعتباره جزءاً من المجتمع الذي أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعده؛ يكون ملتزماً بميثاق أخلاقي في مجال الأعمال، ويكون جديراً بتطبيقه بما يؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.
[1] أنظر: حسين حسين شحاته: الميثاق الإسلامي لقيم
رجال الأعمال An Islamic Code of Ethics For Business Men (القاهرة: دار التوزيع
والنشر الإسلامية، 1419هـ = 1998م)، ص 16.
[2] المرجع السابق نفسه، ص 33 – 37.
[3] أنظر: صفي الرحمن
المباركفوري: الرحيق المختوم: بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط 17، 1426هـ = 2005م)، ص 176 – 179.
