تطور نظرية الثمن
لقد شهد القرن الثامن عشر ظهور نظام السوق،
ومع أن نظام السوق نظام قديم جداً؛ ولكن الجديد كان احتلاله أهمية في الحياة
الاقتصادية، وامتداده حتى شمل العديد من السلع التي لم تكن خاضعة قبل ذلك للبيع
والشراء، بما في ذلك عناصر الإنتاج نفسها؛ مثل الأرض والعمل ورأس المال. وظهور
نظام السوق وأهميته بهذا الشكل هو الذي فرض سؤالاً عن: ما هي العوامل المحددة
للثمن؟ وبالتالي جعل من ظهور نظرية الثمن أمراً مثيراً للاهتمام. وهذا ما حدث
بالفعل في الدول الأوروبية المتقدمة - فرنسا وبريطانيا -، فظهرت في الكتابات
الاقتصادية محاولات لاكتشاف نظرية للثمن، بدأت غير مكتملة على يد وليام بتي (Petty) وجون
ستيوارت (Steuart) الإنجليزيين، وتيرجو (Turgot) الفرنسي، ثم
بدت هذه النظرية مكتملة على يد آدم سميث (Adam Smith)، وبهذا
الاهتمام بموضوع الثمن، كان ذلك بمثابة تحيزات نحو عصر جديد[1].
إن الاقتصاديين أو الكتاب
الذين تناولوا موضوعات اقتصادية قد مر عليهم زمن طويل لم يعتبروا
"الثمن" ظاهرة تستحق البحث، لأسباب كثيرة بعضها تاريخي أو ديني أو
أخلاقي، ولكن هذه العوامل انتهت بقيام نظام السوق وانتشاره، فأصبح الثمن ذات مكانة
هامة جعلت الاقتصاديون ينشغلون ببحثه. واهتدى الاقتصاديون لنظرية مرضية في تفسير
الثمن، وهي نظرية العرض والطلب، واستمرت نظرية الثمن جزءاً أصيلاً من النظرية
الاقتصادية..
ولكن السؤال الهام: هل من الممكن
مع مرور الزمن أن يعتبر الاقتصاديون أن موضوع العوامل المحددة للثمن موضوعاً
بالياً غير جدير بالمناقشة؟ فلا تصبح هي المكون الأساسي للنظرية الاقتصادية
الجزئية؟
أشار الاقتصادي الأمريكي جالبريث
(galbraith) إلى معنى قريب من هذا، وقال في
كتاب له بعنوان: تاريخ علم الاقتصاد (A History of Economics) [2] أنه مع استمرار النمو الاقتصادي وزيادة الرخاء، قد يفقد مستوى الأثمان
أهميته، إذ قد تصبح معظم السلع في متناول الجميع، طالما لديهم فرصة الحصول على
الدخل، أي يصبح ما يحصل عليه الشخص من دخل كافياً لدفع الأثمان المطلوبة، في هذا
الوقت يصبح ليس من المهم سعر السلعة؛ مرتفع أو منخفض، ولكن المهم هل للشخص دخل أم
لا؟. وهنا تصبح ظاهرة الثمن أقل أهمية من ظواهر أخرى مثل العمال والبطالة.
الخلاصة في هذا الأمر أنه في زمن قريب قد يحدث تغير يطرأ على الطريقة التي تتحدد بها الأثمان. وهذا التغير يمكن أن يؤثر بشدة على قدرة الاقتصادي على التعميم في شأن العوامل التي تتعلق بتحديد الثمن، وحينئذ قد تفقد نظرية الثمن جزءاً هاماً من مكانتها لجزء
