الإعجاز الاقتصادي في فريضة الزكاة في القرآن والسنة
إن الزكاة تطهير للنفس، وتزكية ونماء للمال. وهي ركن من أركان النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي بشروط؛ من حيث أنها في المال "النامي"، والنصاب، والمقدار، ونوعية الأموال، والمصارف، وهي من الأدوات الأساسية للحث على الاستثمار والتنمية وتعمير الأرض[1].
فريضة الزكاة عبادة مالية، وقد
وردت آيات الزكاة في 32 موضعاً في القرآن الكريم، منها 27 موضعاً جاءت مقرونة
بالصلاة. ووردت في أكثر من 80 موضعاً آخر ضمن سياقات عامة، تشترك مع الزكاة كلياً
أو جزئياً في المعنى، مثل النفقة والصدقة، وقد استعملت للحض على معالجة المشكلات
الاقتصادية، وعلى وجه التحديد مشكلة الفقر. إن الزكاة فريضة وليست عملاً طوعياً؛
وينشأ عنها نظام حماية اجتماعية يقوم على احترام كرامة الإنسان وحريته.
إن فريضة الزكاة تضع على المال
المكتنز عبئاً لا يخلصه فيه إلا إنفاقه في سبيل الخير وتحقيق الفلاح، ويؤدي ذلك
إلى الرواج الاقتصادي وغنى الناس، ويعود إلى المنفق خير ذلك كله.
يقول الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ
حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم ﴾ (البقرة: 261). ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ
خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون ﴾ (البقرة: 272).
♦ دور الزكاة في زيادة
ممارسة النشاط الاقتصادي:
يحتل السؤال التالي أهمية كبيرة: ما هو دور الزكاة في حل المشكلات الاقتصادية؟ وقد فصل الفقهاء في الإجابة على هذا السؤال.
إن الإسلام رفع من شأن النشاط
الاقتصادي النافع، وجعله عبادةً يتقرب بها الإنسان إلى ربه، طالما اقترن بالنيَّة
الصَّالحة والتزم بالأحكام الشرعيَّة؛ حيث إن النشاط الاقتصادي في الإسلام لا يهدف
إلى تحقيق النفع المادي فحسب، كما هو الحال في النظم الاقتصادية الأخرى؛ بل لتحقيق
المنافع المعنوية والروحية التي تحقق السعادة الدائمة للإنسان في الدنيا والآخرة. [2]
إن الزكاة تعمل على زيادة ممارسة النشاط الاقتصادي، وليست كما يزعم البعض أنها تؤدي إلى الكسل وانخفاض الإنتاجية.. والعكس صحيح.. وتوجد آيات قرآنية كثيرة تدلل على هذا المعنى. ونركز هنا على الآية التي جاءت في معرض الوعد الإلهي بفلاح فئة معينة؛ التي من مواصفاتهم أنهم للزكاة فاعلون، يقول الله عز وجل: "وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ" (المؤمنون: 4).
والسؤال: لماذا عبر القرآن عن إيتاء الزكاة
في هذه الآية باستعمال لفظ جديد وهو الفعل؟ وقال بعض العلماء إن المقصود هنا ليس
أداء الزكاة؛ التي وجبت في المال المملوك أو المتحقق، وإنما هي إخبار وتوجيه في
نفس الوقت، بأن هناك فئة متميزة من الناس عند الله سبحانه وتعالى؛ وهي التي تسعى
وتجتهد قدر استطاعتها في ممارسة النشاط الاقتصادي وتحقق فيه تقدماً ونجاحاً؛ حتى
تتمكن في النهاية من القيام بهذه الفريضة. أي أن من صفات الفئة التي يتحقق لها
الفلاح في الدنيا والآخرة أنها الفئة التي تسعى وتكد في الأرض؛ بممارسة الأنشطة
الاقتصادية؛ لتحقق نمواً في أموالها، والنتيجة هي استطاعة هذه الفئة القيام بأداء الحق
الذي عليها في أموالها؛ بأداء فريضة الزكاة، وهي من أهم عوامل تحقيق التقدم
والتنمية. وهذه الفئة أيضأ هي التي تسعى إلى الاستثمار وتكوين راس المال.
ويعرف رأس المال بأنه أدوات الإنتاج التي لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشرة، وإنما للمساهمة في العملية الإنتاجية، ويضم: رأس المال الثابت، وراس المال العامل أو المتداول. ويوجد فرق بين رأس المال والدخل؛ حيث يؤدي الخلط بينهما إلى كثير من الاضطراب، خصوصاً في معرفة وعاء الزكاة، والفرق بينها وبين الضريبة.
الدخل
هو الإيراد أو الغلة التي تعود على الفرد أو المؤسسة من عمله أو ماله. فهو أجر
العامل أو إيجار وربح صاحب المال، وهو مستمر على مدى العام. وهذا هو وعاء الضريبة
في الاقتصاد الوضعي؛ التي تعتبر المصدر الأول لإيراد الدولة.
أما راس المال أو ثروة الشخص أو
المؤسسة فهو تقدير ما يملك من عقار أو منقول في لحظة معينة مضافاً إليه
الاستحقاقات لدى الغير، أو المديونية التي على الغير، ومخصوماً منه الالتزامات التي عليه قبل
الغير، أي المديونية عليه، أي أنه في لحظة معينة. ورأس المال هو وعاء زكاة المال
في الاقتصاد الإسلامي، وهو يعتبر المصدر الأول للإيرادات.[3]
ومن الآيات الدالة على دور
الزكاة في الحث على ممارسة النشاط الاقتصادي ما يلي:
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 103) ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277).
ومن أهم المشاكل الاقتصادية التي
للزكاة دور رئيس في حلها: مشكلة الفقر؛ من حيث أنها تنمي موارد الفقراء والمساكين،
وكذلك مشكلة تكدس الثروات، وعدم عدالة توزيعها، وأيضاً مشكلة الأزمات الاقتصادية؛
التي تعوق الاستقرار الاقتصادي بالمفهوم السليم، ومشكلة التضخم؛ حيث تساعد الزكاة
على زيادة قيمة الأموال، وعلاج مشكلة الاكتناز؛ لأن للزكاة دور هام في محاربة كنز
النقود وحبسها، وإخراج زكاة المال ينفي صفة كنز المال؛ في حالة حبسه عن أداء
وظيفته. [4]وقد
أكدت الدراسات الاقتصادية المعاصرة أن الزكاة وسيلة رئيسة لنمو المال؛ على عكس
الربا الذي هو محق. إن أصحاب رؤوس الأموال أمامهم خيارين؛ إما استثمار أموالهم،
وتحقيق أرباح، وإخراج الزكاة من الأرباح، أو يتم الاحتفاظ بالمال فتأكله الزكاة
بنسبة ثابتة كل عام؛ لذلك فإن الزكاة بأنواعها تعتبر دافعاً للنشاط الاقتصادي،
واستثمار المال لتنميته.
كما تقوم الزكاة بدور اقتصادي
رئيس في حل مشكلات البطالة، والكوارث والديون، والتفاوت الاقتصادي الفاحش.[5] وتوجد علاقة وطيدة بين تلك المشكلات؛
فمثلاً: لا يمكن تناول مشكلة الفقر دون تناول مشكلة البطالة؛ فحل مشكلة الفقر يكون
بحل مشكلة البطالة وزيادة التشغيل، كما يقرر الفقهاء بأن يُعطَى القادر على الكسب
بحرفته من الزكاة؛ بالقدر الذي يمكنه من مواصلة الكسب. كما لا تُعطَى الزكاة
للقادر – بالجهد أو المال – على الكسب. أي الزكاة تؤدي إلى زيادة التشغيل، وتعمل
على محاربة الفقر، وتقلل التفاوت في توزيع الدخل والثروة.
[1] أنظر: عبد الحميد الغزالي: حول المنهج الإسلامي في التنمية الاقتصادية (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1409هـ = 1989م).ص72، 73.
[2] يوسف كمال محمد: فقه الاقتصاد الإسلامي: النشاط الخاص، (الكويت: دار القلم، 1408هـ = 1988م)، ص 112.
[3] عمر بن فيحان بن عياد المرزوقي: النشاط الاقتصادي من منظور إسلامي، دراسة منشورة على موقع الألوكة https://www.alukah.net/sharia/0/4412/#ixzz6mkOvFfJW، تاريخ الإضافة: 13/12/2008م = 24/12/1429هـ.
[4] أنظر: حسين حسين شحاتة:
محاسبة الزكاة مفهوماً ونظاماً وتطبيقاً (القاهرة: دار التوزيع والنشر، ب. ت)، ص
60 – 68.
[5] أنظر: يوسف القرضاوي: دور
الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية وشروط نجاحها (القاهرة: دار الشروق، 1422هـ =
2001م).
