المقاطعة العربية: نوع من أنواع الجهاد في ميدان الاقتصاد
يتمثل الجهاد عن طريق الاقتصاد في المقاطعة الاقتصادية. وتعتبر المقاطعة نوع من المقاومة؛ لكل من يدعم العدو بطريق مباشر أو غير مباشر؛ بل ومن أهم صوره في الوقت الحالي؛ بالنسبة للشعوب التي لا تملك سوى هذا الخيار... فالمقاطعة الاقتصادية جهاد في سبيل الله تعالى، وهي سلاح اقتصادي يمكن أن تستخدمه الشعوب العربية والإسلامية؛ لإيصال رسائل إلى العالم بأننا نقف صفاً واحداً، وأننا أمة واحدة، وهذا من أهم مصادر قوة الأمة.
قال الله عز وجل:
- ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2).
إن عبادة الله تعالى تعني الالتزام بأوامره، والانتهاء عما نهى، وأن نؤثر الله سبحانه وتعالى عمن سواه. ويعرف ذلك بمبدأ الولاء والبراء. الولاء ينبغي أن يكون لله ولرسوله وللمؤمنين.
يقول الله عز وجل:
- ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 56).
والبراء ينبغي أن يكون من غير المؤمنين.
يقول الله عز وجل:
- ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ
إِنَّا بُرَءَ ٰۤ ؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ
كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَ ٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَاۤءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُوا۟
بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥۤ﴾ (الممتحنة:
4).
والولاء
والبراء مبدأ إسلامي أصيل؛ فيجب عدم موالاة أعداء الله. ومن ذلك مقاطعة من يدعم
الكفار المحاربين لدين الإسلام.
يقول
الله عز وجل:
- ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا
عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة:
9).
♦ مفهوم وخصائص المقاطعة:
ويقصد
بمفهوم المقاطعة؛ أنها منهجية تقوم على مجموعة من الأسس والسياسات والاستراتيجيات
الي تمارسها الدول العربية والإسلامية: شعوباً، ومنظمات، وحكومات ضد العدو
الصهيوني ومن يدعمه ويعاونه؛ بهدف تحرير الأراضي المغتصبة، ورده عن اعتداءاته ضد
الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية والإسلامية.
وقد
استخدمت المقاطعة من قبل الأعداء. وقد تحالف المشركون على بني هاشم وبني المطلب:
ألا يبايعوهم، ولا ينكاحوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا
يكلموهم. وكتبوا بذلك صحيفة، وفيها عهود ومواثيق. وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة؛
فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب – إلا أبا لهب – وحبسوا في شعب أبي طالب، واستمرت لمدة ثلاث سنين. وبلغ بهم الجهد؛
حتى كانوا يأكلون ورق الشجر والجلود. وفي المحرم سنة عشرة من النبوة نقضت الصحيفة،
وتم فك الحصار[1].
والنماذج
المعاصرة كثيرة في العالم، وقد حققت هذه النماذج مقاصدها المشروعة ضد العدو
المحتل، وحافظت على الهوية الوطنية؛ بالرغم من النتائج الاقتصادية التي قد تبدو
أنها خسائر في ظاهرها، وهي مكاسب اقتصادية كبيرة.
ومثال لفعالية سلاح المقاطعة: نموذج الزعيم الهندي غاندي في مقاطعة الاحتلال الإنجليزي، وفي مقاطعة المنتجات الإنجليزية، وقد نجح في تحقيق أهدافه بفاعلية.
وتتسم عملية
المقاطعة بمجموعة من الخصائص التي تميزها؛ من أهمها ما يلي[2]:
- مشروعية المقاطعة، وأنها حق للمعتدى عليهم ضد المعتدي.
- أنه من الواجبات؛ لتحقيق المقاصد الكلية؛ فما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب، ومن تلك الواجبات: حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال،
والوطن.
- إنها فرض عين على الأفراد والمؤسسات والحكومات، وليست
فرض كفاية؛ فهي مسئولية كل مسلم وعربي ينتمي إلى الأمة العربية والإسلامية في كل
مكان.
-
تتضمن كافة الأمور المرتبطة بالعدو؛ سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية،
أو مدنية...ونحو ذلك.
♦ الضوابط الشرعية للمقاطعة الاقتصادية:
وتوجد
ضوابط شرعية للمقاطعة الاقتصادية؛ منها[3]:
- عدم مخالفة
المقاصد الشرعية؛ وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فإذا حققت
المقاطعة هذه المقاصد؛ فهي لازمة ومشروعة.
- لا يجوز شرعاً أن نبيع السلاح أو المواد الغذائية لدولة نعلم أنها محاربة للإسلام، أو تدعم الحرب ضد اخواننا المسلمين.
- وأيضاٌ من
الضوابط الشرعية؛ أنه يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام.
- والالتزام بسلم
الأولويات وهي الضروريات، فالحاجيات، فالتحسينات؛ فيتم الترتيب؛ فنبدأ بمقاطعة
المنتجات الكمالية والتحسينية، ثم المنتجات الضرورية.
- لا ضرر ولا ضرار؛ فإذا تبين أن تنقيذ المقاطعة على منتج - سلعة أو خدمة - ضروري يسبب ضرراً كبيراً فلا يقاطع.
- والحكمة ضالة
المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها؛ فيمكن استخدام كل التقنيات الحديثة؛ حتى
إذا كانت من اختراع الأعداء؛ واستخدامها في مجال المقاطعة.
♦ مزاعم المثبطين للمقاطعة الاقتصادية:
وتوجد مزاعم للمثبطين للمقاطعة الاقتصادية؛ مثل[4]:
- سوف تؤدي المقاطعة إلى نتائج اقتصادية سلبية؛ وأهمها
زيادة البطالة على مستوى الاقتصاد الكلي.
- أنها نتيجة انفعالات وعواطف ومشاعر مؤقتة، وسوف تزول بعد
فترة.
- إن الشركات العالمية ليست مسئولة عن الممارسات الصهيونية
في الأراضي المحتلة.
- أنه لا يمكن الاستغناء عن المساعدات والمنح الأمريكية
للشعوب العربية والإسلامية.
- إن المقاطعة الاقتصادية سلاح غير فعال؛ حيث لن يؤثر في
الشركات العالمية الأم.
♦ تفنيد مزاعم المثبطين:
إن المقاطعة الاقتصادية هي سلاح استخدم بالفعل، ولكن يجب تفعيله؛ بمراعاة
المتغيرات، وتطوير الخطط والسياسات والإجراءات؛ حتى يمكن تحقيق الأهداف. ويجب
علينا تفنيد مزاعم المثبطين[5].
1- زعم أن المقاطعة سوف تؤدي إلى مزيد من
البطالة:
-
ليس هناك حرب بدون خسائر، وليس هناك جهاد بدون تضحيات.
-
إن العالم أصبح كورة صغيرة، وتحرير التجارة العالمية سمة
رئيسة للعولمة، ومقاطعة السلع والخدمات الأجنبية سوف يقوي الصناعة الوطنية، ويفتح
أسواقاً للمنتجات الوطنية؛ مما يؤدي إلى زيادة التشغيل والإنتاج الوطني، ودعم
الصناعات الوطنية.
-
إن معظم العاملين في الشركات الدولية والمتعددة الجنسية
هم بعقود مؤقتة؛ يمكن الاستغناء عنهم في أي وقت.
-
ستوفر المقاطعة أموالاً وطنية يمكن أن تساهم في إنشاء
مشروعات وطنية، وفتح مصانع مغلقة؛ بما يؤدي إلى مزيد من التشغيل؛ وبالتالي محاربة البطالة
والفقر. ومن الأمثلة: جاءت سلسلة متاجر سينسبري – سلسلة متاجر بريطانية - إلى مصر
عام 1999، ونشرت مجموعة كبيرة من المتاجر في فترة وجيزة، وقد نافست بشدة المتاجر
في السوق المصري، ولكن المصريون عرفوا أن ورائها أهدافاً سياسية وأنها تدعم العدو
الصهيوني، فقاطعوها، وكانت النتيجة خروجها من السوق المصري نهائياً بعد أربع سنوات
فقط.
2- زعم أن المقاطعة سوف تحقق خسائر اقتصادية
أكبر للدول العربية والإسلامية:
- ذكر هذا الزعم من قبل بعض التجار المسلمين؛ عندما نزل
قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا
يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (التوبة: 28).
حيث قال الناس: "لتقطعن عنَّا الأسواق ولتهلكن
التجارة وليذهبن عنا ما كنا نُصيبُ من المرافق؛ فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ
يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:
28).
وقد عوضهم الله تعالى عن تلك المكاسب بأموال
الجزية؛ التي يأخذونها من أهل الذمة.[6]
-
إن المقاطعة تؤدي إلى حرية اتخاذ القرارات الاقتصادية،
وتقوية الإرادة، والخروج من التبعية الاقتصادية لأمريكا، كما تؤدي إلى الإبداع
والابتكار، بالإضافة إلى التقشف والتربية على الخشونة، وعلى روح الجهاد.
-
تقوم الشركات الأجنبية الأمريكية والأوروبية العاملة في
الأسواق العربية بتحويل نسب من أرباحها إلى الخارج، ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على
الدولار، وانخفاض قيمة العملة الوطنية.
-
دواعي تفعيل التعاون والتكامل بين الدول العربية
والإسلامية؛ لتكون أمة واحدة؛ لتحقيق هذا الهدف.
-
وأهم عنصر هو تعليم معاني التضحية والفداء في الميدان
الاقتصادي.
3- زعم أن المقاطعة سلاح غير فعال؛ ولن تتأثر الشركات الأم
بهذه المقاطعة، وبالتالي لن تؤثر في إسرائيل وأمريكا:
ويمكن
تفنيد ذلك؛ كما يلي:
-
إن الأسواق الإسلامية والعربية من أهم أسواق الشركات العالمية التي تدعم اليهود في عدوانهم على المسلمين، وأهم مصادر إيرادات
تلك الشركات.
-
كما تبلغ أموال الدول العربية في البنوك الأمريكية
والأوروبية واليهودية مئات مليارات الدولارات. والمعروف أن الجانب الاقتصادي يعتبر
نقطة ضعف الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وصل عجز الميزانية الأمريكية إلى 1,7
تريليون دولار في العام المالي 2023. بالإضافة إلى الاضطرابات المالية التي تشهدها
الولايات المتحدة الأمريكية؛ مثل انهيار بنكي سيليكون فالي، وسيغنيتش[7].
وبالتالي فإن مقاطعة البضائع الأمريكية وكذلك صفقات السلاح معها؛ يعتبر سلاحاً
فعالاً وسوف يؤثر بفاعلية على القرار الأمريكي.
-
كما تعتبر الدول العربية والإسلامية من أهم مصادر المواد
الخام ومستلزمات التشغيل للصناعات الأمريكية. ومثال على ذلك: استخدام سلاح
المقاطعة في حرب أكتوبر عام 1973 بين مصر وإسرائيل؛ عندما منعت الدول العربية
تصدير البترول للدول الداعمة لإسرائيل، وكان له أثر كبير جداً في توجيه المعركة.
4-
المزاعم بأن المقاطعة نتيجة حمية وانفعالات مؤقتة، وأن الدول العربية والإسلامية
لا يمكنها الاستغناء عن المنح والمساعدات الأمريكية:
-
يجب تخطيط وتنظيم المقاطعة ووضع برامج موضوعية في إطار
سياسات واستراتيجيات شعبية وحكومية على المستوى العام للأمة العربية والإسلامية؛
وأن تتم في ضوء الشريعة الإسلامية، حيث تتم وفق سلم الأولويات؛ بأن تبدأ
بالكماليات والتحسينات، ثم يلي ذلك مقاطعة الحاجيات... وأن يتم إيجاد البدائل
الوطنية، وإن لم يوجد فالبدائل تكون من الدول العربية والإسلامية، وإن لم يوجد
فالبديل يكون من الدول الأجنبية غير المحاربة.
-
إن تطبيق أسس الإدارة الرشيدة للمقاطعة سوف يكون له
نتائج إيجابية على الاقتصاد القومي وعلى الشركات الوطنية وزيادة الاستقلال في
القرارات الاقتصادية.
-
إن لدينا كمسلمين قوة بشرية، ومالية، وثروات، وتاريخ،
وموقع متميز. ويجب عدم إضاعة هذه الموارد بتفرقنا وتشرذمنا. ولابد ألا تكون ثورة
بركان وتنتهي، ولكن المهم أن يكون الاستمرار ديدننا، وتكوين رؤية واضحة؛ باستغناء
نهائي بدلاً من مقاطعة لفترة. ويكون ذلك في إطار الشريعة. وهذا مبدأ ديني؛ بشرط أن
يكون ضد الكفار المحاربين؛ ولكن التجارة مع الكفار عموماً جائزة.
وإذا
كانت النتائج أقل من المستهدف؛ فإن تفعيل المقاطعة؛ لتحقيق الأهداف يكون هو
السبيل، وليس بتقليل أهمية المقاطعة؛ لذلك فإن تقييم تطور المقاطعة العربية
والإسلامية يكون هو الأساس لتفعيل استراتيجية المقاطعة للمستقبل.
[1] صفي الرحمن المباركفوري:
الرحيق المختوم: بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (المنصورة:
دار الوفاء، ط 17، 1426 هـ = 2005م)، ص 112 – 114.
[2] جهاد القطيط، حسين
شحاتة، مجدي مدني، هيثم الكيلاني: العرب ومقاطعة إسرائيل (الأردن: مركز دراسات
الشرق الأوسط، 2008م).
[3] حسين حسين شحاتة: تفنيد مزاعم
المثبطين للمقاطعة الاقتصادية (القاهرة: المؤلف، ربيع أول 1423هـ = مايو 2002م)، ص
15– 17.
[4] https://english.ahram.org.eg/NewsContent/3/12/511498/Business/Economy/Boycott-campaigns-in-Egypt-Effective-weapon-or-fri.aspx
[5] حسين حسين شحاتة: تفنيد مزاعم
المثبطين للمقاطعة الاقتصادية، مرجع سابق، ص 18 – 32.
[6] تفسير ابن كثير.