الذهب... وإدارة المخاطر
يعتمد أي قرار لامتلاك أصل ما؛ على
مقابلة عاملين هما: المخاطرة والعائد المتوقع. وتتصف العلاقة بينهما أنها علاقة
طردية؛ حيث أنه كلما زادت المخاطرة زاد العائد المتوقع والعكس صحيح.
وتعرف المخاطرة بأنها: احتمال حدوث نتيجة غير
مرغوبة، وينشأ هذا الاحتمال عادة في حالة تملك المستثمر لأصل واحد، ووضعه كما يقال
المثل: "وضع جميع البيض في سلة واحدة". من هنا كانت أهمية تنويع المحفظة
المالية للمستثمر بتعدد الأصول لتقليل المخاطر.
والعائد الفعلي هو العائد المحقق بالفعل
أثناء فترة معينة ماضية، وهو عادة يختلف عن العائد المتوقع، ويكون هدف المستثمر[1]
تقليل الفرق بين العائدين. وتوجد عدة مقاييس إحصائية للتنبؤ بمدى تحقيق العائد
المتوقع منها: الانحراف المعياري والتباين (وهو مربع الانحراف المعياري)، حيث يقيس
التباين متوسط مجموع مربعات انحرافات القيم عن وسطها الحسابي.
وتنشأ المخاطرة من انخفاض عدد الأصول
التي تتكون منها المحفظة المالية؛ حيث تنخفض المخاطرة كلما ازداد تنوع الأصول؛ شريطة
أن يكون الارتباط بين الأصلين أو السهمين –في حالة الاستثمار في الأسهم فقط- سالباً
أي في عكس الاتجاه. ولابد من اختيار أصول تقلل من المخاطرة، وفي نفس الوقت ترفع من
مستويات العائد؛ حيث إن الهدف من تنويع المحفظة المالية هو أن تتحقق التوقعات
بالنسبة للعائد.
وقد أوضحت الأحداث التاريخية والأزمات العالمية -بما لا يدع مجالاً للشك-، أن محدودية الأصول التي تنكون منها المحافظ المالية -وأهمها الأسهم
والسندات- في وقت الأزمات المالية؛ من حيث تحقيق الغرض الأساسي من عملية
التنويع؛ وهو حماية الاستثمارات من تذبذب السـوق وتقلبها، كان منخفضاً. وكان اقتناء السبائك
الذهبية أحد أهم الوسائل المستخدمة لمواجهة هذا التذبذب.
وقد أثبتت الدراسات خلال العقود الخمسة
الماضية –منذ عام 1970م-، أن السبائك الذهبية أدت إلى زيادة العائد. أي
أنها قلصت الانحراف عن متوسط القيمة المتوقعة، وبالتالي ينخفض الانحراف المعياري
للمحفظة، ويقترب العائد المتوقع من العائد الفعلي، مما يشير إلى أن استخدام الذهب
في محفظة الأصول المالية يجعلها تتمتع بتوزيع أكثر اعتدالاً للعائد. بمعنى أن
الذهب يحقق توقعات المستثمر أكثر من الأصول المالية الأخرى؛ بما فيها أذون الخزانة؛
التي تعد أضمن هذه الوسائل؛ لأنها مضمونة من حكومات الدول التي تصدرها، وبالتالي
فإن عنصر المخاطرة فيها قليل جداً.
كما تتمتع المحفظة بالذهب بمعدل عائد
أعلى من المحفظة بأذون الخزانة، حتى عند تحقيق كل من المحفظتين نفس مستوى المخاطرة.
وقد حقق الذهب خلال العقود الخمسة المذكورة، أعلى معدل عائد وأقل مستويات مخاطرة.
وقد تأكدت ذات النتيجة من دراسات أجريت خلال العقدين الأوليان من القرن الحادي
والعشرين؛ حيث قلل الذهب مشاكل توقعات العائد وقلل من المخاطرة والتي تحدث عادة في
وقت الأزمات المالية، حيث يكون للفن الترويجي والتسويقي دور كبير في تضخيم بعض
الأصول، وأهما الأسهم وبروز صورتها على غير الواقع.
لذلك فإنه في وقت الأزمات سرعان ما تضمحل قيمة الأسهم المالية، وتعود إلى قيمتها الحقيقية التي تتمثل في الأصول والموجودات والأرباح الفعلية المحققة، التي هي الأسس التي يقدر السهم على أساسها، وبالتالي تكون المحافظ المالية التي تحتوي على الذهب أكثر إرضاء للمستثمر؛ خاصة المؤسسات الاستثمارية.
وخلاصة القول: فقد أثبت التاريخ
أن الوسائل التقليدية لتنويع المحافظ وأهمها الأسهم والسندات وأذون الخزانة
وشهادات الاستثمار، ذات تأثير غير فعال لزيادة القدرة على التنبؤ بالعوائد والتي
تبنى على بيانات الماضي. ويعد الذهب من أهم الوسائل لزيادة القدرة على التنبؤ،
وضمان المحافظة على القيمة. وبالتالي هو
الوسيلة الفعالة لمواجهة تقلبات أسعار الصرف. لذلك، لابد من إعطاء أهمية أكبر
بموضوع تنويع الأصول، ولكي يكون هذا التنويع أكثر فاعلية في مواجهة أي هزات أو
أزمات، فلا بد إذن من تغيير النظرة التقليدية لتنويع الأصول.
وتعتبر الأحداث العالمية والإقليمية خير دليل
على صحة ذلك. ومن الممكن بالتحديد ذكر عامين؛ الأول: هو الفضائح المالية التي تم
اكتشافها في الولايات المتحدة، وكيف أنها أعطت قيماً غير حقيقية للأسهم الأمريكية
نتيجة تلاعب في المعالجات المحاسبية عن طريق كبرى مكاتب المحاسبة، وبالتالي فإن
اكتشاف هذه التجاوزات أدى إلى انخفاض قيم الأسهم. والثاني: هي الأزمات السياسية
والحروب؛ مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والذهب؛ حيث يعتبر الذهب الملاذ الآمن
وقت تلك الأزمات، مما يعني العودة للذهب كأداة لإدارة المخاطر.
