تسويق الدواء في ضوء الشريعة الإسلامية
لقد سخر الله تعالى الأرض وما
تحتها وما فوفقها وجعلها صالحة لإنتاج ما يلزمه من غذاء وشراب وملبس ودواء... وجعلها
صالحة لمعايش الناس، يقول الله تبارك وتعالى: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي
الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ” (الأعراف:
10).
ولقد استنبط فقهاء المسلمين الضوابط الشرعية من مصادر
الشريعة الإسلامية حتى يكون المنتج (سلعة أو خدمة) نافعاً للإنسان وغير ضار به،
ومن واجبات الإنسان سواء أكان منتجاً أو متداولاً أو موزعاً أو مستهلكاً أو عميلاً، الالتزام بهذه الضوابط عبادة
وطاعة وامتثالاً لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويمكن تناول أهم عناصر تسويق المنتج الدوائي؛ وفقاً
للمنهج الإسلامي؛ في الآتي:
(1)
- أحل الله الطيبات وحرم الخبائث: أباح الله للإنسان الطيبات من الرزق. الأصل في المنتجات الحلال؛ إلا المنصوص عليه بالتحريم. وقد حرم الله كل خبيث فيه ضرر بالإنسان ولا يحفظ النفس، ولقد ورد ذلك في كل الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله عز وجل: " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " (الأعراف: 157). وإذا كانت المقاصد العامة في الشريعة الإسلامية هي المحافظة على الضرورات الخمس؛ وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فإن حفظ النفس يأتي مباشرة بعد حفظ الدين، ويكون بحفظها من التلف، وحفظ الصحة البدنية والنفسية، ومقاومة الأمراض السارية، وذلك عن طريق العلاج والأدوية.
(2)
(3)
- تأمين الاحتياجات من الدواء: يعتبر المنتج الدوائي من موجبات الحياة واستقرارها، ولقد جعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم من ضروريات الحياة -بجانب الأمن المعنوي والأمن الغذائي-، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي
سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ
لَهُ الدُّنْيَا" (رواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه الترمذي في
السنن). ويستلزم ذلك توفر مخزون من الأدوية يكفي الطلب عليها.
(4)
(5)
(6)
- إن استراتيجية الترويج جزء هام من الاستراتيجية الكلية في مجال تسويق المنتج الدوائي. ولذلك يلزم بيان الضوابط الشرعية في مجال تسويق وترويج الدواء، ويمكن توضيح عناصر المزيج الترويجي فيما يلي:
(7)
( - يعتبر البيع الشخصي Personal
Selling
أهم عنصر من عناصر المزيج الترويجي في مجال تسويق الأدوية. فالإعلان في مجال
الترويج الدوائي له شروط في معظم الدول، ويكون في مجلات علمية متخصصة. والعميل الجوهري
والمستهدف من أنشطة ترويج الأدوية هو صاحب قرار شراء المنتج الدوائي وهو الطبيب.
وتسعى شركات الأدوية إلى تحقيق هدف رضاء العميل وهو الطبيب سواء في حالة المنتجات
الدوائية التي تعالج الأمراض المزمنة، أو الأدوية التي تعالج الأمراض الغير مزمنة
(أو الحادة). وتوضح بعض الدراسات أن قيادة سوق الأدوية يكون بزيادة شريحة الأدوية
التي تعالج الأمراض المزمنة. كما أن نجاح استراتيجية التسويق يكون بالتركيز على
الأسعار؛ عن طريق خفض التكاليف، وزيادة القيمة.
(8)
- ولذلك تركز شركات الدواء على البيع الشخصي عن طريق المندوبين الطبيين Medical Representatives، رغم ارتفاع تكلفة هذا العنصر، حيث تشير الدراسات أن الدقيقتين في المقابلة مع الطبيب (أو العميل المستهدف) تكلف شركة الدواء حوالي 500 جنيه مصري.
(9)
- يتمثل دور المندوب الطبي لشركة الأدوية في توصيل المعلومات الصحيحة للطبيب عن المنتج الدوائي محل الترويج. بحيث يعرض صفات المنتج التي تمثل منافع للطبيب وللمستهلك النهائي.
(10)
- وتوجد عدة خطوات قبل مقابلة الطبيب وأثناء المقابلة ويطلق على المقابلة Call، كما أن الخطوات قبل المقابلة؛ وهي بالتحديد أربع خطوات؛ كالآتي: محاولات معرفة معلومات شخصية عن الطبيب، ومؤهلاته العلمية، وحالته الاجتماعية، وأخذ موعد للمقابلة؛ ويطلق عليها Pre approach. وحوالي خمس خطوات أثناء المقابلة ذاتها ويطلق عليها Approach، ويعرف الـ Approach بأنها الثواني الأولى للمقابلة مع الطبيب؛ ولأهميتها بالنسبة للمندوب وللشركة؛ فإن لها مهارات يجب أن يتدرب عليها المندوب الطبي.
(11)
- من هنا يجب أن يعمل أطراف العملية التسويقية وهم الطبيب والصيدلاني والمندوب الطبي وشركة الدواء؛ في إطار مجموعة من الضوابط. فالطبيب أو الصيدلي عليه أن يتصف بمجموعة من الصفات الخُلقية وأهمها الإخلاص والصدق والأمانة العلمية والحلم والصبر؛ خاصة في بداية الحياة المهنية تحت وطأة مصاريف مهنية وحياتية قد تكون مرهقة. يقول الله تبارك وتعالى: "وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ " (آل عمران: 186). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "..والصَّبْرُ ضِياءٌ.." (رواه مسلم)، بالإضافة إلى التواضع، وسعة الصدر وسلامته من الأحقاد..إلخ.
(12)
- وللصفات الخُلقية والأمانة العلمية للطبيب أهمية كبرى في مجال تسويق الأدوية، لأنها تتصل بحياة الناس وصحتهم، وإشباع حاجة المريض (المستهلك النهائي)؛ وهي كالآتي: إحالة المريض لطبيب مختص وأكثر كفاءة، وأن يكون علاج المريض عن طريق إجراء الفحوص، وأن يبني تشخيصه على بيانات مؤكدة، وأن يوصف أفضل الأدوية لحالة المريض، ولا يجعل المريض حقلاً للتجارب، فإن هذه خيانة. وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له” (رواه أحمد).
(13)
- إن الالتزام بعناصر المزيج التسويقي من مُنتَج وترويج وتوزيع وسعر وفقاً لمنهج الإسلام تؤدي إلى زيادة القيمة للفرد والأسرة والمجتمع بما يؤدي إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ويستلزم ذلك أن يتصف الطبيب والقائمين على شركة الأدوية بصفات خُلقية وكفاءة مهنية وقيم إيمانية تؤدي إلى المحافظة على مصالح المستهلك النهائي وأيضا مصالحهم في إطار من البر والتقوى. بما يؤدي إلى المساهمة في عملية التنمية الحقيقة، بمفهوم إعمار الأرض، وعبادة الله تعالى حق عبادته.
والحمد لله رب
العالمين.
