القائمة الرئيسية

الصفحات

 


الاقتصاد الإسلامي والوسطية

 

     الإسلام دين الوسطية. وتوسط واعتدال الإسلام يقوم على التوفيق بين الحقوق الجماعية والحقوق الفردية، كما يقوم على الجمع بين الأمور المعنوية الحسية، والأمور الملموسة المادية للفرد والجماعة. إن المباديء الإسلامية تعترف بحرية الفرد؛ في إطار من الحدود الشرعية والأخلاقية؛ التي تعمل للتوازن بين حقوق الفرد المحدودة وحقوق الجماعة؛ وهي أيضاً محدودة... وهذا هو التوسط؛ الذي يتعارض مع التطرف اليساري الجماعي في الشرق، ويختلف مع التطرف اليميني الفردي في الغرب. ويستمد المجتمع الإسلامي؛ بنظمه الاقتصادية وغير الاقتصادية؛ أصوله من الإيمان.

     وفي التشريع؛ توسط الإسلام؛ حيث يرعى ما يجب الاتفاق عليه والنظر والبحث والتنقيب والملاحظة والاجتهاد بصفة عامة. فوسطية الإسلام هي المعيار في الحلال والحرام، فالأصل في الإسلام الحل، وكل المعاملات المستحدثة حلال طالما راعت مقاصد الشريعة.. والقاعدة تقول؛ يقول الله تعالى: "خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (البقرة: 29). إن مفهوم الوسطية الذي جاء به القرآن هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ومن خصائص الفطرة أنها تجرب كل الأفكار، وتجتهد في كل الاتجاهات[1].


1- ويمكن تحديد مظاهر الوسطية في الإسلام فيما يلي:

أ- المزاوجة في طبيعة الإنسان بين الروح والجسم؛ حتى يكون صالحاً للماديات والمعنويات معاً. ولم يجعل الله تعالى الإنسان كالملائكة روحانياً صرفاً؛ لأن عمارة الكون تقتضي هذا اللون من الخلق المزدوج الطبيعة. والاعتراف بالواقع البشري، وأن الإنسان خلق على هذا النحو الجامع بين المادية والروحية لحكمة بالغة. فالمادية لها متطلبات مثل شهوة الأكل والشرب والتزاوج والاجتماع وغيرها.. ولابد من الاعتراف بأن الإنسان بحكم بشريته طموح ونزاع إلى المعرفة وكشف الأسرار ومعرفة الأسباب؛ ولذلك هو يخطئ ويصيب ويتعرض للمخاطر، ولا يمكن أن يلزم بما ينافر هذا الطبع، ويجافي ما فطر عليه.

وصفة التوسط هي التعبير الإسلامي بشأن الإنسانية؛ فالروحانية المجردة والمادية المجردة كلاهما يتنافى في عقيدتنا مع الفطرة الإسلامية؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان جامعاً للناحيتين المادية والروحية، وأمره أن يتوسط بينهما ويعدل، والتوسط هو الذي يناسب فطرة الإنسان؛ دون تطرف إلى إحداهما والبعد عن الأخرى.[2]ولذلك فإن الإسلام دين الفطرة.

ب- مسايرة الفطرة وتهذيب الغرائز، وقد قامت الشريعة الإسلامية على رعاية هذه الفطرة في كل ما جاء من أحكام؛ سواء في جانب العقيدة، أو  في جانب الشرائع والمناهج العملية والخلقية ومسارات العبادات، وأن الذي يسيطر على جميع الأحكام هو الوسطية أو الاعتدال -كما أسلفنا- وهذا الذي يلائم بين مقتضيات هذا وذاك، ويحفظ التوازن. يقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143). ومعنى أن الرسول شهيد على هذه الأمة الوسط أن الله تعالى عهد إليه بهذه الشريعة؛ فأنزل عليه كتابها وأوحى إليه بيانها، وجعل سنته وطريقته هي المفتاح والفيصل الحاسم فيما عسى أن يكون من خلاف في فهمها، الرسول هو الفصل فيما شجر بين المؤمنين، يقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65). 

     ووصف الإسلام بأنه دين الفطرة؛ لأنه يفطر الإنسانية من جميع نواحيها (الروحية والجسدية – المعنوية والمادية)، فينتج عن ذلك؛ أنه يبني نظمه وتشريعاته على أساس الواقع الفطري الذي يجمع بين هاتين الناحيتين، ويضع على عاتق الفرد والجماعة مسئولية التوفيق بينهما، والتوازن بين مقتضياتهما توازناً عادلاً متوسطاً.[3]      

ج- بساطة العقيدة ويسر التكليف، ومن ذلك أن العقيدة الإسلامية في الإيمان بالله –جل جلاله- قائمة على وصفه تعالى بكل جميل، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن كل نقص، وقد أُمِرنا أن نتفكر في خلق الله وآثاره تبارك وتعالى، ونُهينا أن نفكر في ذات الله؛ لأن آثار الله في الخلق والإيجاد والتصرف واضحة نراها بعقولنا وبعيوننا ويجب أن نتفكر فيها، أما الذات الإلهية فهي فوق عقول الخلق. وهذه العقيدة في جانب الألوهية كافية للإيمان. يقول الله عز وجل: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ‏لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (آل عمران: 190). ويقول تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأنعام: 99). وغيرها من الآيات العظيمات التي لا تفصح عن ذات لله تعالى من حيث الحقيقة والكنه، وإنما تلفت النظر دائماً على آثار الله تعالى في الخلق والتصريف، ومنها قوله تعالى: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَهُوَ یُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَـٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِیفُ ٱلۡخَبِیرُ﴾ (الأنعام: 103).

د-  إن قيمة العمل في الإسلام ترجع إلى إخلاص النية؛ وذلك بأن يُرَاد بالعمل وجه الله تعالى. وقد عبر القرآن الكريم عن النية بالإرادة في العديد من الآيات، مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: 39). كما وردت النية في القرآن بمعنى الابتغاء، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 265)، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (الليل: 18 – 20).

    وتوجد سورة في القرآن؛ وهي سورة الإخلاص، فقد ثبت في السنة أنها تعدل ثلث القرآن، ومن أسباب تسميتها باسم الإخلاص أن من آمن بها فقد أخلص التوحيد لله تعالى. ولا يجتمع الإخلاص مع الرياء، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء، والأصل في الإخلاص أن يكون الباعث على العمل واحداً. ومضاد الإخلاص الشرك؛ فمن ليس مخلصاً فهو مشرك؛ غير أن الشرك درجات.[4]وإخلاص النية لله تعالى من أجل القيم الإيمانية والأخلاقية؛ وهي أساس قبول العمل في الإسلام. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162)، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: 9).

    وإخلاص النية هي القاعدة التي تضمنها قول رسول الله : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"[5].

   ويدل الحديث أن النية معيار لتصحيح الأعمال؛ فحيث صلحت النية صلح العمل، والعكس صحيح؛ فإذا فسدت النية فسد العمل. وعندما يوجد العمل وقارنته النية، فله ثلاثة أحوال: الأول: أن يفعل ذلك خوفاً من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد، والثاني: أن يفعل ذلك لطب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار، والثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية لحق العبودية، والشكر؛ ومع ذلك يرى نفسه مقصراً، أو يكون خائفاً؛ لأنه لا يدري هل قبل عمله أم لا، وهذه عبادة الأحرار، والتي أشار إليها رسول الله عندما قالت له السيدة عائشة رضي الله عنها حين قام من الليل حتى تورمت قدماه، يا رسول الله تتكلف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً". ويعتبر الإخلاص في العمل ركيزة أساسية في قبول العمل، وهي ما تميز أي نشاط اقتصادي عن أي النظم الوضعية.


2- ملامح الوسطية في الاقتصاد الإسلامي:

    ويمكن التأكيد على وجود علاقة بين القيم الأخلاقية والوسطية والاقتصاد في الإسلام؛ حيث توجد علاقة بين القيم الأخلاقية والوسطية؛ لأن الوسطية في الإسلام – كما سبق – هي الجمع بين قيم الحق والعدل، والوسط بين المادية والروحية. لذلك؛ فإن القيم الإيمانية والأخلاقية هي التي تميز وسطية الإسلام. والمنهج الفقهي في دراسة المعاملات الحديثة يرتكز على دعامات ثلاثة؛ كالآتي:

- حق المجتمع الإسلامي أن يبتكر ما شاء من ألوان المعاملات، وأن يساير النشاط الاقتصادي العالمي بالمساهمة فيه والتطوير في ظل أصول الشريعة، مع مراعاة حفظ النفس والمال والحلٌ وعدم التعسير. 

- أصل المعاملات الإباحة، فلا يجوز التحريم حتى يتم التبين أن الله حرم هذا.

- دراسة أحوال الناس فيما ينفعهم وما يضرهم، بحيث يمكن التغاضي عن بعض ما يعسر الأمور على الناس، ويجوز الترخيص فيها؛ حيث هناك بعض المعاملات تحتاج إلى تهذيب وتقويم الاعوجاج.

     هذ المنهج يعيد الشريعة إلى مجالات الاقتصاد والمعاملات دون تجميد. ويعني ذلك محاولة دراسة الجديد في أحوال ومعايش الناس ونظم الاقتصاد. لقد عظمنا الأوروبيين تعظيماً شديداً حتى جعلناهم قدوة لنا؛ في حين إن الإسلام دين عالمي جاء للناس كافة، ولا ينبغي أن نأخذ ونقتدي بالغرب، لأن المسلمين هم الذين تركوا مركزهم في قيادة العالم وهم الذين بوأهم الله هذا المركز كما كان في سالف الزمان.

    إن الاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد ديني واقتصاد أخلاقي؛ يرتكز على الأخلاق الفاضلة والسلوك السوي المستقيم. كما أن مبادئ الإسلام تعترف بالحرية الفردية ولكن في إطار من الحدود الشرعية والأخلاقية الإلهية؛ التي تعمل للتوفيق والتوازن بين الحدود الفردية المحدودة وبين الحقوق الجماعية المحدودة أيضاً. وهذا هو التوسط؛ فهو الأساس الذي يجعل الأمة الإسلامية بحق وسطاً كما وصفها القرآن الكريم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).

 



[1] أنظر: مصطفى محمود: حوار مع صديقي الملحد، دراسة وتقديم وتعليق: محمد عمارة، هدية مجلة الأزهر، جمادى الأول 1436هـ = مارس 2015م، ص 19.

[2] أنظر: أحمد النجار: مدخل إلى النظرية الاقتصادية في المنهج الإسلامي، خاص: ب. ت، ص 53.

[3] المرجع السابق نفسه، ص 46 - 55.

4] أنظر: عصام أبو النصر: إخلاص النية ضرورة شرعية واقتصادية (القاهرة: دار النشر للجامعات، 1492هـ = 2008م)، ص 15 – 32.

[5] رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.


هل اعجبك الموضوع :
author-img
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد.. فإن هذه المدونة "آرائي" تهدف إلى نشر مقالات وأبحاث في العلوم الاجتماعية؛ خاصة في مجالات: الاقتصاد، والعلوم الإدارية، والتسويق الإلكتروني... وكاتب المقالات د. مجدي محمد مدني ؛ لديه خبرة في مجال الأبحاث العلمية حوالي ثلاثين عاماً.. ، كما أود أن يكون هذا العمل فيه الفائدة والنفع، وأدعو الله تعالى أن يكتب لنا التوفيق والسداد. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات